الرواية وأخواتها

11 سبتمبر 2020
الصورة
فادي يازجي/ سورية (جزء من لوحة)
+ الخط -

تغيب معظم الأجناس الأدبية عن حياتنا الثقافية، عدا الرواية؛ فالمسرح يبدو عاجزاً تماماً عن الخلق وعن الاستمرار، وهو عجزٌ مفهوم في ظل الشروط التي ينشط فيها المسرح، أو يخبو، في حال غيابها؛ فمعظم المسرحيات تُكتَب من أجل أن تُمثَّل على خشبة المسرح. وماذا تفعل إذا لم يكن لديك خشبة مسرح؟

ولكي يتوفّر لدينا المسرح، لا بُدّ أن يُتاح للكاتب المسرحي مناخ الحرية، أي المناخ الذي يسمح له بأن يكتب مسرحياته وهو متأكّد من أنها سوف تُمثَّل أمام جمهور يأتي كي يشاهدها ويتأثّر بها، أو يكتب مسرحياته دون خوف، ودون رهبة، من الاعتقال، ففي المسرح غالباً ما يحتاج الكاتب إلى المباشَرة، خصوصاً أنَّ النصَّ مبنيٌّ على الحوار، ولا يمكن للحوار أن يكون ملغِزاً، أو موارباً، وهو ما يتطلّب مناخاً آخر هو حرية التعبير. ولكن هذين الشرطين الأوليَّين لا وجود لهما في بلداننا، فلا المسارح موجودة، ولا الحرية متوفّرة. وقد غاب التمويل، ولم يعد الجمهور الراغب في المسرح موجوداً. ولهذا ترى أنه يختفي من بلادنا، في ظل فقدان الدافع والرغبة واليقين من التأثير. 

وأمّا الشعر فقد تلاشى من التداوُل، انتهى زمن الشعر العمودي تماماً، ولم يبق منه غير ما يمكن أن يفيد المتحدّثين في الاستشهاد النحوي أو الوظيفي، وتوقّف الشعر الحديث عن المشاركة الفاعلة في الحياة العامة، ولم تعد الأنظمة تحتاج للمنابر بعد أن كشفت عن وجوهها الحقيقية، من دون أن تنتظر مدائح الشعراء المنافقين... ويحتاج الشعر الحديث المعاصر اليوم، بعد رحيل معظم شعراء الحداثة عن عالمنا، وصمت من بقي حيّاً منهم، لدراسة تتأمَّل بنيته وطبيعة جمالياته الخاصة. وهنا يمكن ملاحظة فتور تلك الحماسة النقدية العجيبة التي رافقت ظهور الشعر الحديث، أو ما عُرف بشعر التفعيلة، في حين حلَّ الصمت على النشاط النقدي.

فترت الحماسة النقدية العجيبة التي رافقت ظهور الشعر الحديث

أمّا الرواية فهي أكثر مكراً ومرونة، من حيث الشكل ومن حيث طبيعة الموضوعات أو طريقة تقديم المضامين، من الشعر والمسرح ومن القصة القصيرة أيضاً. وبفضل هذا المكر، أو هذه البنية الفنية المبتكرة في الحقيقة، وهي بنية تجمع خصائص من الشعر ومن المسرح ومن القصة القصيرة ومن الحكاية، تمكّنت من تجاوز العقبات. 

فهي تتجاوز عقبة الحرية أو القمع بالترميز والتعدُّد الحواري ومحاولة الروائي استكمال الحوار المفقود في المجتمع، أو إتاحة المجال للمتحاورين، بحيث يمكن أن تجد معظم القوى نفسها في النص المقروء. وتتجاوز عقبة الخشبة بالتواجد في المكتبات، ويمكنها تجاوز عقبة الرقابة بالانتقال الجغرافي بين بلد وآخر، ولعلّ وجود أكثر من عشرين بلداً عربياً مستقلّاً الواحد عن الآخر في لوائح الرقابة، أن يكون مدخلاً لكسر الرقابة بصورة عامة، إذ أن ما يُمنع في بلد عربي ما قد يبدو مقبولاً في بلد عربي آخر بسبب تغيُّر شروط التحريم والتجريم في مسألة التعبير، ومثال "أولاد حارتنا" لنجيب محفوظ دليل على هذا.

لا يُسعد الروايةَ كثيراً أن تكون وحيدة بين أخواتها، لا لأنّ بنادق القمع قد لا تجد غيرها دريئةً للتصويب عليها وحسب، بل أيضاً لأنّ الحياة تخسر جمال التنوُّع فيها.


* روائي من سورية

المساهمون