كلمات أمام هول طائرات مُسيَّرة

كلمات أمام هول طائرات مُسيَّرة

03 ديسمبر 2023
قصف حيّ سكني في خانيونس أول من أمس الجمعة (Getty)
+ الخط -

جداري الأخير، في المعيش والكتابة، هو تلك الوجوه التي عشتُ معها اثنتين وخمسين سنة، في المخيّمات، قبل أن أنقل خطوتي (لشدّ ما عارضتها أمّي) إلى شبه جزيرة إيبيريا، ومن ثم، أصعد شمالاً، لأحصل على حصّتي من الخيبة الكاملة.

لكَم عشتُ مع الناس هُناك، حيث يخرجون ويدخلون، وحيث في صحوٍ أو منام، ينتمون إلى الواقع الذي أتيتُ منه. إنهم الجزء الأثمن من حياتي، لكنّي لا أراهم في تجلّيات الفنون، إلّا نادراً. و"نادراً" هذه تُوجعني. كما أوجعتني من قبلُ "نادراً" التي تنطبق على حال أهلي في القدس وأكنافها.

أعرف أّن لدي مهمّة لتغيير هذا، ولو بأضعف الإيمان: المقال والشعر. أعرف أنه من الواضح أنّنا لسنا مضطرّين إلى صناعة أفلام مثل الحياة نفسها، لقلّة المقوّمات وتهافت الإمكان. أعرف أنني أبتغي، كلّ مرّة، ذلك التماهي التام معهم، كأفراد من شعب الهجرات، يشبهونني. أن أتعاطف مع شخص لا يُشبهني، ضجّ بالكارثة، فهذا تمرين صحّي، أيضاً.

أريد ذلك التماهي التام معهم كأفراد يُشبهونني من شعب الهجرات

لكنّ الكلمة قليلة الحيلة، أمام هول طائرات مُسيّرة، تدهم أروقة "مستشفى الشفاء"، وتُلاحق المرضى، من ممرٍّ إلى آخر، ومن غرفة أُخرى، فتقتلهم برشّاش آليّ مُعلّق على جرمها الصغير ذي المراوح الستّ. مسكين شيطان الكتب العمودية، بجوار شياطين البنتاغون و"الكِرْيَا"!

متى لا يتمّ إخباري بما أعرفه بالفعل؟ كي أُحافظ على تبريد اللغة، فلا أختنق وأنا أكتبُ بيدين ترتجفان على لوحة المفاتيح وجهةَ نظري، لأنني لن أترك القفص.

كم مرّة وددتُ لو أخرج من نفسي، وأهرب، من واقع الحال، وتصوّر المستقبل، دون طائل. أيّها الله: أُحبّ أن أخرج من نفسي، لو مرّة، فهل هذا كثير عليك؟ هبني الحيلة، حيال سيناريو تبدو فيه كلّ الإجراءات فوق احتمال البشري، بعضَ الشيء. أعطني نعمةً ما فوق الواقع، لأطرد ما يُعرف بالواقعية في الشعر والمقال، فمن هي تلك التي لا تزال تقليداً، وهي في نهاية المطاف عبارة عن حفنة من القواعد المُفترضة التي تجعلنا نشعر بالمعنى من الواقع... شيءٌ يشبه حياتنا. لكنّها لا تزال كذبة. وأجد أنه من المثير للاهتمام إظهار الحِيلة بشكل علني، ورؤية الفجوات في الواقع بنفس الشكل.

أكثيرٌ عليك هذا وأنت ربٌّ قادر؟ ألا يتمّ تقديم الطبيعة من قبل ممثّلين غير مُحترفين في مواقع حقيقية، فيتراءى لنا ما نبصر ضرباً من ضروب السحر؟ هل مقال الواقع تصنعه طبقة متوسطة دُنيا تصوّر نفسها، وعندما تصوّر الطبقات الاجتماعية الأُخرى، فإنها تفعل ذلك بنازع أبوي؟

حسناً، أولئك منّا الذين عملوا في هذا الفيض أو ذاك، هُم من الشباب والشيوخ، من الطبقة العاملة. وعلينا أن نفعل أشياء أُخرى كثيرة حتى نتمكّن من تكريس أنفسنا لمقال. إذا كان لدى هذه الفئة الأُخرى إمكانية صُنع كلمات، فلا أعرف ما إذا كنّا سنروي قصصاً أُخرى، غيرها، ولكنّنا حتماً سنرويها بطريقة مختلفة.


* شاعر فلسطيني مُقيم في بلجيكا

موقف
التحديثات الحية

المساهمون