ضجيج حول إرث ناظم حكمت.. حكاية الابن الرُّوحي والابن الحقيقي

ضجيج حول إرث ناظم حكمت.. حكاية الابن الرُّوحي والابن الحقيقي

08 أكتوبر 2021
ناظم حكمت في لوحة لحيدر أوزاي
+ الخط -

عُرف ناظم حكمت (1902- 1963) في العالم العربي، كما عُرف في بلدان كثيرة بأنه شاعر تركيا الأشهر، الذي ساند بقصائده نضال الشعوب، وارتبط اسمه باليسار العالمي الذي كان أحد نجومه. ربما طغت قصص نضال حكمت خلال السنوات التي قضاها في سجون إسطنبول وأنقرة وبورصة وشانكري، على الاهتمام حتى بشِعْره إلا أن هناك جوانب أخرى في حياة الشاعر التركي يتم التسليط الضوء عليها في تركيا الآن، تتعلق بحياته الشخصية.

فقد أثار الكتاب الذي أعدته الباحثة التركية سيبال أورال حول محمد حكمت ابن ناظم حكمت، نقاشات عديدة في الأوساط الثقافية التركية. صدر الكتاب بعنوان "أتسمع يا محمد؟" (وهي جملة من قصيدة لناظم)، عن دار دوغان الشهر الماضي ونفدت طبعته الأولى سريعاً. وقد أعاد الكتابُ الباحثينَ للتنقيب من جديد في حياة ناظم الشخصية وزيجاته المتعددة، ومصير إرث الشاعر التركي الشهير.

من المعروف أن حكمت تعرَّض للسجن لمرات عديدة في عهد أتاتورك وخليفته عصمت إينونو، وخلال تلك السنوات تزوّج لأكثر من مرة، إلا أن أبرز زيجات حكمت في تركيا، كانت بالسيدتين؛ بيرايا ومُنَوّر، الأولى لم يُنجب منها، واعتبر ابنها ابناً روحيّاً له، حيث كانت مطلقة ولديها طفل اسمه محمد فؤاد، وتزوجها عام 1935، والثانية تزوجها في أوائل الخمسينيات بعد خروجه من السجن، وأنجبت ابنه الحقيقي. إلا أن علاقة ناظم بمحمد فؤاد قد استمرت حتى بعد انفصاله عن والدته بيرايا، وظنّ البعض أن فؤاد هو ابنه الحقيقي.

بعد ثلاثة أشهر من ولادة ابنه هرب إلى الاتحاد السوفيتي

حتى إن الروائي التركي أورهان كمال، أحد أبرز من كتبوا عن ناظم، ذكر في كتابه "ثلاث سنوات مع ناظم حكمت" على لسان ناظم نفسه، يقول: "آه يا عمري، مرّت ست سنوات! هل تعلم، ما أكثر شيء أريده الآن؟ أن أكون في إسطنبول، في بيتي، الذي فرشته على ذوقي… بعد ذلك يصير المساء، وآخذ زوجتي وابني محمد إلى جانبي، ونتجول في أي حانة يونانية، وعندما أجلس أنا وزوجتي متواجهين، نشرب العرق، وابني أيضًا يأكل من المقبلات!".

المقصود هنا هو محمد فؤاد ابن بيرايا، لأن ناظم ذكر ذلك في أوائل الأربعينيات ولم يكن تزوج بمُنوّر بعد. ومع وصول عدنان مندريس إلى الحكم عام 1950، شعر حكمت الذي أصبح أشهر شعراء تركيا في الأوساط اليسارية بأنه سيكون ضحية النظام الجديد أيضاً، وخصوصاً أن مندريس قام بتدشين أول مؤسسة لمكافحة الشيوعية في تركيا بمجرد وصوله إلى الحكم.

الصورة
غلاف

وبعد إرسال مندريس لقوات تركية إلى كوريا الجنوبية إلى جانب قوات الأمم المتحدة وحلف الناتو ضد السوفييت، هاجم حكمت حكومة مندريس في عدة قصائد صارت متداولة في دوائر اليسار، واتُّهم بالترويج للشيوعية وإبعاد الشباب التركي عن دينه. وأخيراً، سحبت حكومة مندريس الجنسية التركية من ناظم حكمت بعد وصوله إلى موسكو عام 1951 بعدة أشهر، ولم تعُد إليه الجنسية بقرار رسمي إلا عام 2009.

بعد ثلاثة أشهر فقط من ولادة محمد حكمت اضطر ناظم للهروب إلى الاتحاد السوفيتي في حزيران / يونيو عام 1951، وبقيت زوجته مُنوّر مع طفلها لعشر سنوات في تركيا قبل أن يرحلا إلى فرنسا، وكانت تعمل مترجمة بين الفرنسية والتركية، وهي التي ترجمت أشعار ناظم إلى الفرنسية. وقد خصصت الباحثة سيبال أورال كتابها حول حياة محمد حكمت، الرسّام البائس الذي لم يعترف بناظم حكمت كأبٍ له، حيث ذكرت أورال أن ناظم لم يُسجّل ابنه الحقيقي باسمه في تركيا، وأوردت بعض الرسائل التي أرسلتها مُنوَّر إلى ناظم من فرنسا، تطالبه فيها بأن يكتب ابنهما باسمه. كما أنه لم يقم بزيارة ابنه في فرنسا إلا مرة واحدة عام 1961، أي قبل رحيله في موسكو بعامين، بحسب أورال أيضاً.

الصورة
محمد حكمت
محمد حكمت

يحتوي الكتاب على العديد من الوثائق التي تتعلق بابن ناظم الحقيقي، وأمه مُنوّر. ورغم تركيز الكتاب عليهما إلا أنه لم يخل من الهجوم غير المباشر على محمد فؤاد ابن بيرايا، الذي صار ناقداً وناشراً معروفاً في تركيا، وهو الذي جمّع أعمال ناظم الكاملة ونشرها في دار "آدام" الخاصة به. حيث نشرت أورال بعض اللقاءات مع الكاتب التركي جوندوز وصّاف، وهو أحد أقرب أصدقاء محمد حكمت. وتحدث وصّاف في اللقاء عن حياة بائسة عاشها محمد حكمت في فرنسا، كما هاجم محمد فؤاد الذي ظنّ الجميع أنه الابن الحقيقي لناظم، وأن فؤاد لم يُنكر ذلك حتى وفاته عام 2002. كما اتهمه أيضاً بأنه عندما جمع أشعار ناظم بعد وفاته ونشرها، لم يُرسل مستحقات حقوق التأليف إلى ابنه الحقيقي، وأنه استغل اسم ناظم حكمت لعقود في تركيا.

انتقلت حقوق تأليف أعمال ناظم حكمت الكاملة إلى كنعان بِنْغو، ابن الناقد والناشر محمد فؤاد، ولكن بحسب العديد من النقاد فلم يكن محمد حكمت مهتماً بميراث والده، وظل ينكره حتى رحيله في فرنسا عام 2018. ورداً على اتهامات وصّاف الواردة في كتاب سيبال أورال، يقول كنعان بِنغو في تصريح لـ "العربي الجديد": "نعرف جميعاً عدم صحة الانتقادات الموجهة لوالدي. لو كان محمد حكمت حيّاً لما سمح لجوندوز وصّاف أن يتحدث عن والدي بهذه الطريقة، لأنهما كانا يحترمان بعضهما البعض. لقد نشر والدي أعمال ناظم حكمت وكان يُرسل مستحقات التأليف إلى محمد حكمت في فرنسا عبر محاميه الخاص. ومعنى أن تنشر الباحثة سيبال أورال هذه اللقاءات في كتابها دون أن تسأل الذين كانوا يعملون في دار "آدَام" آنذاك، أنها صدّقت اتهامات وصّاف".

 وفي بيان نشره الكاتب والناشر سميح جوموش على صفحاته في مواقع التواصل الاجتماعي، وهو من أبرز محرري دار آدام، وعمل مع محمد فؤاد لخمسة عشر عاماً، وصف اتهامات وصّاف بـ"غير الأخلاقية"، وذكر جوموش أيضاً أن فؤاد كان يذكر في كل اللقاءات التي أُجريت معه أنه ليس الابن الحقيقي لناظم حكمت، وأنه كان يحبّه ويقدّره فقط دون أن يدّعي غير ذلك. 

كما أضاف أن فؤاد قد عرّض نفسه للخطر عندما نشر أعمال ناظم الممنوعة في تركيا آنذاك، وأن ناظم لم يُنشر له في حياته إلا ثمانية كتب فقط ثم عمل فؤاد لسنوات على جمع أعماله ونشرها. وقد أضاف الروايات والرسائل واليوميات إلى الكتب الشعرية، وطُبع أعمال ناظم الكاملة في 29 كتاباً. وتطرق جوموش إلى مسألة حقوق التأليف، وذكر أنه كان شاهداً على إرسال فؤاد مستحقاتها إلى محمد حكمت في فرنسا، وهناك وثائق على ذلك.

يقدّم الكتاب سردية سلبية حول ابن زوجته الذي نشر أعماله

وقد أكد الكاتب تورجاي فيشيكتشي في بيان آخر ما ذكره جوموش، وقال إن الناشرين كانوا يتعرضون للسجن بتهمة نشر كتاب لناظم أو حتى قصيدة في مجلة. أما الباحثة سيبال أورال فقد ردّت على الاتهامات الموجهة إلى كتابها الذي أثار ضجة في الأيام الأخيرة، في لقاء لها مع صحيفة "T24"، تقول: "لم أتوقع هذه الضجة حول كتابي فهو ليس من نوعية هذه الكتب. إنني تناولت حياة محمد حكمت في فرنسا، وهو محور كتابي الأساسي، وليس حتى ناظم نفسه. ظنّ البعض أنني أهاجم محمد فؤاد، ولكن لا يوجد شيء من هذا القبيل. ولأن الكتاب يدور حول محمد حكمت فقد أجريت كل اللقاءات مع أصدقائه المقربين، وليس أصدقاء محمد فؤاد. أعرف جيداً الدور الذي لعبه الأخير في الحياة الثقافية التركية بجمعه ونشره لأعمال ناظم الكاملة. وأعرف أيضاً قيمة الكاتبين سميح جوموش وتورجاي فيشيكتشي وسوف أضيف ما كتباه في الطبعة القادمة من كتابي. أحب أن أضيف أخيراً أن محمد حكمت لا يقل أهمية في الحياة الثقافية عن محمد فؤاد، وحياته تستحق أن يُكتب عنها، فهو رسام قدير كتب عن لوحاته الرسام الشهير عابدين دينو والكاتب أورهان باموق. لا أقصد المقارنة بينهما، وسيفهم القرّاء ذلك".

الصورة
الباحثة التركية سيبال أورال
الباحثة التركية سيبال أورال

جدير بالذكر أن كتاب أورال تضمن أيضاً العديد من المقالات التي كتبها نقاد ورسامون حول محمد حكمت، إلى جانب تفاصيل حياته في فرنسا، وصوراً ووثائق تتعلق بعلاقة ناظم بوالدته مُنوّر، التي بدأت عام 1948 حتى ذهابه إلى موسكو، والعديد من الرسائل بينهما، وهي ليست رسائل حبّ بالضرورة، فقد أوردت الباحثة في كتابها بعض رسائل مُنوّر لناظم بعد زواجه في موسكو من فيرا تولياكوفا عام 1959، تتهمه فيها باستخدام اسمها في أشعاره باسم الحنين إلى "امرأة بعيدة" في وطنه الأم، وتطالبه بألا يستخدم اسم ابنها أيضاً في أشعار الحنين إلى الوطن!

المساهمون