خوسيه كاباييرو بونالد.. غادَر البهاء الذي فتن العالَم

خوسيه كاباييرو بونالد.. غادَر البهاء الذي فتن العالَم

24 مايو 2021
خوسيه مانويل كاباييرو بونالد على شاطئ قادش، 2007 (Getty)
+ الخط -

في الحادي عشر من تشرين الثاني/ نوفمبر الماضي، قام أصدقاء خوسيه مانويل كاباييرو بونالد بتهنئته بعيد ميلاده الرابع والتسعين. كانوا يأملون بتعافيه من المرض، والخروج ربّما من عزلته التي اختارها قبل خمس سنوات. لكنّ الأمور لم تسرْ كذلك. رحل الشاعر والروائي الإسباني في التاسع من أيار/ مايو الجاري، بعد حياة لم يكن يحدّها الليل ولا النهار، نشر خلالها أكثر من أربعين عملاً، بين شعر، ورواية، وكتب محاولات، إضافة إلى أنطولوجيات شعرية.

وُلد بونالد عام 1926 لأب كوبي وأم من أصول فرنسية، ودرس المِلاحة وعلم الفلك في قادش، قبل أن يتوقّف وينتقل لدراسة الفلسفة والآداب في إشبيلية، ثم مدريد التي استقر فيها عام 1951. منذ بداياته الشعرية، نال بونالد اعترافاً نقدياً، إذ حاز "جائزة أدونايس للشعر" عن ديوانه الأول "التكهّنات" (1952). وهي بداية في مسار سيُكلّل بالعديد من التكريمات والجوائز، وأبرزها "جائزة الملكة صوفيا للشعر الإيبرو أميركي" (2004)، و"الجائزة الوطنية للآداب الإسبانية" (2005)، و"جائزة سرفانتس" (2012).

حياتي موجودةٌ في شعري وعوالمي الذاتية تتحدّد عبر قصائدي

انتقل عام 1960، بعد زواجه من بيبا راميس، رفيقة حياته، إلى بوغوتا ليعمل أستاذاً للأدب في "الجامعة الوطنية". يقول عن تلك المرحلة: "إذا كان الوطن هو ما تراه من نافذة البيت الذي تحيا فيه براحة، فأنا لديّ عدة أوطان، بعضها أكثر ديمومة من غيرها: منطقة دونيانا، شريش، ميورقة، مدريد، بوغوتا... كنت في كولومبيا لمدة ثلاث سنوات وهناك كتبت روايتي الأولى، ورُزقت بابني الأول. أتذكّر جيداً وطني ذاك. ما لا يعجبني على الإطلاق هو وطن الوطنيين الإسبان".

بعد هذه الرواية الأولى التي كتبها أثناء إقامته في كولومبيا، ونُشرت بعنوان "يومان من سبتمبر"، سيُصدر بونالد أربع روايات، كان آخرها "حقل أغرامانتي" (1992). لكنّ اسم بونالد سيتكرّس أساساً كشاعر؛ شاعر متشكّك في جدوى شعرٍ بعيد عن الالتزام بقضايا المجتمع، ولا سيّما معاداة الدكتاتورية الفرانكية. وهو ما سيكلّف الشاعر الاعتقال في سجن كارابانشيل الشهير، سنة 1966.

أصدر بونالد 12 مجموعة شعرية على مدار أكثر من 60 عاماً، كان آخرُها "نسيان ما تتعلّمه" (2015). كما جمعت أعماله الشعرية، الصادرة قبل الألفية الثانية، تحت عنوان: "نحنُ ما تبقى لنا من الزمن" (2004). وفي مذكّراته، التي صدر آخر قسمٍ منها عام 2017، أرّخ بونالد لما يقارب قرناً من التاريخ الثقافي الإسباني، ولا سيّما الحقبة الفرانكية وما تلاها.

في إزمير الزرقاء كنتُ نوتيّاً في مركبٍ صغير وبائع جواهر

يلخّص بونالد تصوّره للشعر بالقول: "في القصيدة، يجب أن يكون للكلمات معنىً أغنى من ذاك الذي توفّره القواميس. أحياناً تجمع بين كلمتين لم يسبق وضعهما معاً، فتفتحان أمامنا عالماً، وتكسران ختْماً. تفعلان ذلك عبر الجاذبية الصوتيّة الخالصة. الشعر مزيجٌ من الموسيقى والرياضيات: تنغيم وصرامة". ويقول عن علاقته الوجودية بالشعر: "حياتي موجودةٌ في شعري، وعوالمي الذاتية تتحدّد عبر قصائدي". 

هنا ترجمةٌ لعدد من قصائده:


طريقة صوفي

في إزمير الزرقاء كنتُ نوتيّاً في مركبٍ صغير
وبائعَ جواهر في سوق إزمابولا
وناسخَ نصوصٍ فارسيّة لمكتبة أمير قرطبة.
اشتغلتُ في عدّة أعمال عابرة أخرى 
حتّى دخلتُ في خدمة يوحنا كانتا كوزينوس،
ممارساً عملَ مدرّبٍ للمُجَنَّدين
بكيسٍ من البُردي.

لكنّ الشيء الوحيد الذي قمتُ به حقّاً 
كان سفري سرّاً حتّى دمشقَ،
ساحباً بالحظّ هادياتٍ لا تُحصى، حياةً مضطربة
كلّ يوم،
بحثاً عن شيخ الحكمة اللانهائية التي سوف يتمُّ
إجلالُها فيما بعد بالأندلس.

عبرتُ المَشَاقَّ الدائرية الكثيفة للقرون
ووصلتُ سليماً مُعافىً إلى القصور الباذخة لمدينة الزهراء،
حيث أتلو كلّ مساءٍ قصيدةً لم أقرأها مِن قبلُ
والتي أبلغني إيّاها من كهفه النُّسْكِيِّ 
في صحراء طهمور
ذلك المعلّمُ الوقور الذي كانت تعاليمُه
كلَّ ما توصلتْ روحي إلى معرفته.

فليكن محمودَ السعي إلى الأبد، ذاك الذي 
رغبَ أن ينفخ فيَّ الهبّة البطولية
للقدرة على اقتحام الأبواب الخفيّة
والاستمتاع أخيراً بذلك التفاهم العجيب
الذي يمضي أبعد من كلّ واقع.


■ ■ ■


ليس لليل جدران

أطوفُ حول الليل، أدخلُ
إلى غرفته المعكوسة، إلى مُنخفضِه
الذي من دخان، إلى التجويف
المضادِّ لِجدارِ
الهواءِ،
هناك تماماً حيث تلتقي
المسافات التي لم تجتمع أبداً،
الحرّيّات الأكثر صعوبة،
حتى أجد بغتةً هناك،
بالتتابع، البذرةَ، دائرةَ
المتاهة المحرّضة
مع ضوئها الأساسي، تواطؤها
التأديبي مع العدالة،
ذلك الإصرار
الشامخ
في الاحتفال بكوننا نحيا.


■ ■ ■


حيث لا عودة

لن أعود أبداً إلى حلب، هنالك
حيث يزهر كلّ يوم مفترقٌ
لا ينطفئ من حكاياتي
العائلية. ذلك العبور
لسلالةٍ من التجّار 
عبر طرقٍ حاسمة، آثار
متأجّجة لمصيرٍ ملائم، حيث
كان يتوافقُ هيَجانُ الفراتِ
المجيدِ بلا هدنةٍ وبلا تلافٍ
مع البهاء العتيق لبحر قادش.
لن أذهب أبداً إلى حلب لأنّني أيضاً لن أستطيع
أبداً أن أعود إلى هناك.
منتصرةً أبداً أمام محاصريها 
الجشعين، بعد ما تزال تحفظ بين الأحجار
الوقورة للقلعة والجنان الخالية
والحكيمة للخان،
السرّ الكبير للعُزلات
الممتعة، تلك الفتنة المبهمة
التي تمنع المسافر من الإقدام على العودة.
لا أحد ممّن سوف يأتي إلى حلب،
بعدَ أن يكون قد عاش حيث عشتُ،
بإمكانه أن يهرب أبداً من ذلك الإغراء.


■ ■ ■


سحر الريبة

يكفيني أن أعرفَ أن اليقين
نُسخةٌ فانية من الإيمان،
يكفيني أن أعرف ذلك وبالقناعة
الحاسمة للريبة،
كي أتطلع أن أُكافَأ
بالعديد من التخمينات الناقصة
عن الحقائق.
لا أحتاج إلى الكثير 
لكي أعتقد على الأقل أني لستُ أكذب.


■ ■ ■


مدينة الزهراء

أولئك الذين بنوا يوماً هذا الثراء الباذخ
من القصور والبساتين،
هل خمّنوا يوماً ما في رفعتهم الزائلة؟
أكانوا مدركين سرعة زوالها؟

وأولئك الذين يحاولون الآن اختلاس
هذا القدر الكبير من البهاء المدمَّر
بالتهاون والنهب،
هل يعرفون أن بعض الآثار وحدها ستبقى خالدة منهم؟

أبناءُ أبناءٍ
أولئك الذين سوف ينبشون في الأنقاض،
هل سيخامرهم الشكّ أيضاً في أنهم لن يتوصّلوا
أبداً إلى صونِ
حجر التبليط وتجاويف زُخرف السقف، والأعمدة والأفاريز،
والحمّامات والقاعات ومجاري المياه والباحات،
ذلك البهاء الذي لا يُقاس،
البهاء الذي فتن العالم منذ ألف عام؟

مَن يتنزّه الآن بين أنقاض ومَرَاقب
جمالٍ مهجورة، يغمغم بغتةً
بابتهالٍ مُنصف:
دعوا
الخرائب تُخلّدُ مقامكم الخرِب،
والأحجارَ تصُدُّ أحجاراً أخرى حقيرة،
دعوا الموتى
يدفنون أمواتهم بِوَرَع.


■ ■ ■


شجرة النسب

كيف ستكون تلك الشجرة الحِسّيّة
التي كانت تنمو في أرغونيدا وكانت لها 
ظلالٌ لم تُهزم وأوراق من حريرٍ أزرقَ دائم،
وورودٌ مبرنقة ببهاء هوميروسيّ.

كيف كانت ستطلّ على بحرٍ لا يفكّ رموزه 
ويأوي في مساكنه النبيلة
الكثيرُ من عصافير الزمن الغابر الممسوحة بالزيت، 
الكثير من الأبطال القدامى آكلي اللوتَس.

أوّاه أيّها التناغم المستغلق لتلك الشجرة 
التي في غرفة نومها الغريرة تعلّمتُ ألّا أنسى
وإلى أين ألتجئ على الدوام
لكي أواصل مرتاباً
بعدُ، أكثر قليلاً من أيّ وقتٍ مضى.

المساهمون