الذين تركوا حبالهم على الأرصفة

24 أكتوبر 2020
الصورة
إيلي كنعان/ لبنان
+ الخط -

الذين تركوا حبالهم على الأرصفة 
تسلّقوا الجدران بضحكاتهم
وزرعوها
على سطوح البنايات
وناطحات السحاب
لتنمو أقدامهم بهدوء

الذين كانوا شوكًا يابسًا في البساتين
صاروا ورودًا
وفراشات
وعرائش
بعدما ضلّ بوْل المزارع طريقه إلى إناءَاتهم

الذين تركناهم في الغابة وحيدين
ليتعرّفوا إلى عزلاتهم
تحوّلوا ذئابًا
لأن السناجب
والأرانب
والزرافات
والغزلان
أشاحت بوجوهها عنهم
وشكّلوا معًا حلقات مفرغة حول النار
وانتظروا السدود على البحيرات
وقطّاع الطرق
وحضّروا لمراسم اغتيال الشجرة

الذين رسموا طواحين هوائية على الورق المقوّى
كانوا يخافون كثيرًا من هبوب الريح
فبنوا معابد من العتمة
فوق التلال
وجوّعوا الإله إلى أن صار نحيلًا
ورفضوا أن يرفعوا قرابينهم إلى سمائه
فصيّرهم قشًّا
وأرسلهم رزمًا مكدّسة إلى الحقول
ونفخ فيهم باسمه

الذين لم يلتفتوا إلى شجرة الليمون
وهي تنمو خلف الجدران
بسيطة ومتأمّلة
قلّموا أظافرهم عن غير قصد
فناموا براعمَ
واستيقظوا ليجدوا فروعهم تتسلّق ظهر الحائط
وتترك سيقانها ممدّدة على الوسائد

الذين كانت لهم ذاكرة الحطب
تخلّوا عن قوائم الانتقام الطويلة
من الفؤوس
والصيّادين
لأنهم اكتشفوا مؤخرًا أنهم إخوة
فجمّعوا أنفسهم في موقد
وأنشأوا عائلة

الذين وعدناهم أننا لن نغيب طويلًا
وأوصيناهم بالصبر
فتحوا نوافذهم
وشرّعوا الأبواب طويلًا
إلى أن شاخوا
وتركوا مساحة كافية في الصدوع الضيقة
لندفن أكاذيبنا
ورموا خلفهم رسائل للوداعات الملتهبة
لتخبرنا كم كان الانتظار أمرًا شاقًا
وكم كانت الوعود محلاة
وسهلة على التصديق.

والذين عشنا معهم سنوات طوال
تخلّوا عنا
عند أول بحّة
وسعال
خوفًا من الجيروسكوفوبيا
وغرف العناية المركّزة.


لم أعد أبحث عن السمكة في النهر
ولا عن الوردة في الحديقة

أريد للطرقات أن تجد طرقاتها
كي لا تضل مسار العودة
إلى المزارات القديمة
أريد للموتى أن يكنسوا عيونهم من عن الأرصفة
كي يرتاحوا من الرؤية

لم أعد أبحث عن الأجنحة في الفراشات
ولا عن الدودة في الثمرة

أريد للوافدين الجدد إلى المدن
أن لا يلتفتوا إلى المصابيح في الشارع
كي لا يخلطوا بين الشاحنات المسرعة
ووجوه من ينتظرون
أسفل الجسر
ليتخلّصوا من مناديلهم


لم أعد أبحث عن أصابعي في يدي
ولا عن الحاجب فوق العين

أريد للمحطّات المتهالكة
أن تسرع موعد انطلاق القطارات
لأن الرحلة طويلة
والحزن يحجز دومًا المقاعد كلّها
ويشتري كلّ التذاكر
ويرشي من يقفلون الأبواب
والنوافذ

لم أعد أبحث عن اللغز في الكتاب
ولا عن الغصن في الشجرة

أريد للعابرين على الأرصفة
أن لا ينسوا معاطفهم
وأعواد الكبريت
والقبعات
والغليون
كي لا يضطرّوا لعبور الشارع ثانية
لشراء السجائر
أريدهم ألّا يطيلوا النظر في وجه الفتاة التي تمر
بأحمر شفتيها
وأقراطها
وفساتينها القصيرة
كي لا يضطرّوا لحمل ظلّها في حقائبهم
أريد لهم أن يشيحوا بعيونهم عنها
إن رأوها تعبر الجسر
لأن النساء في هذه القرية الباردة
كلّما أحبلن رجلًا
اغتلنه بالغياب

لم أعد أبحث عن المجرم في السجن
ولا عن الجثث في المقبرة

أريد للواحد أن يفهم
أنه ليس اثنين
أنه يمكن أن يكون
أريده أن يفهم أنّ ظلّه لا يعنيه
أنّ ظله يرافقه من النهار
إلى النهار
كرائحة الأمهات
لكنه لا يبحث عن رفيق
بل عن مسكن هادىء تحت شجرة
أو عن حصاة
في الحقل
أريد للواحد أن يعرف
أن للجسد ظلالًا مختلفة
تتغيّر بتأثير المناخ
ودرجات الحرارة
ومقدار الحنين إلى هناك
إلى الصفصافة الأولى
حيث ودّع أمه بكلمتين اثنتين
ولم يقل لها أحبك
فلم تيبس الشجرة
واكتفت بتبديل الفصول

لم أعد أبحث عن الطفل في الرحم
ولا عن الذهب في المناجم

أريد لكل الجدّات
أن يتوقفن عن انتظار أبنائهن
قرب التلغرافات
لأنهم لن يرسلوا أصابع أقدامهم الصغيرة
ولا أفواههم
في مظاريف وبرقيات

لم أعد أبحث عن الأسد في الغابة
ولا عن المزهرية فوق المنضدة

أريد للذين ينبشون في رأسي
أن يميّزوا بين ذقني
وفك الغزالة التي علقت هناك
أريد للذين يحفرون في جسدي
ألّا يعثروا عليه كثيرًا
كي لا يخافوا من كل ما يختبىء فيه
أن يتغاضوا عنه
وينسوه مربعًا في صندوق
كي لا أضطر أن أسير مجددًا على الأرصفة
خائفًا من أن يكتشفوا
أنني أربي نمورًا في بطني
وعصافير
وحدائق

لم أعد أبحث عن اللوحة فوق الحائط
ولا عن الفراشة في الحقل

أريد من الذين أحبهم
أن يكفّوا عن حبي
لأني أجّلت مواعيد كثيرة 
وصدفًا
ولقاءات
من أجلهم
واستمعت إلى صوت أنفاسهم في الليل
وخفت عليهم
أكثر من خوفي على السنديانة المهجورة
والعريشة التي في دارنا
أريدهم أن يكفّوا عن حبي
لأني مليء بالتعب والحسرات
ولا أميز أحيانًا
بين عيني وإشارات المرور

لم أعد أبحث عن شيء
أحمل ظلّي في يدي
كي أنقله إلى النبع
وأدعوه إلى شرب الشاي
وأعلم أني راحل
وأنه راحل
وأننا لم نلتقِ
إلا لنسأل بعضنا عن الاتجاهات


* شاعر لبناني من مواليد 1997

المساهمون