إدوارد سعيد في المسجد الأقصى

07 نوفمبر 2020
الصورة
من باحة المسجد الأقصى (Getty)
+ الخط -

وجّه شقيقي الصغير يوم أمس تحدياً لي عبر موقع "فيسبوك"، بنشر صورتي في المسجد الأقصى، وأرفقَ المنشور بصورٍ تجمعني به في باحات المسجد، التُقطت قبل عامين. ليعيدنا بذلك إلى تفاصيل تلك الزيارة.

انطلقنا في ذلك اليوم باكراً، أنا وشقيقي ووالدتي، كان صباحاً حزيناً، بدأناه بخبرٍ ألقاه زميلي في العمل عبر مذياع التاكسي، عن استشهاد ثلاثة شبّان، أحدهم قُتِل في حي "باب الواد" قرب المسجد الأقصى. وكان الحزن متبوعاً بشعور القلق من أن تفوتنا فرصة زيارة "الأقصى"، بعد الإعلان عن إغلاق الأبواب الرئيسية له، بسبب "حدث أمني".

وقفنا في قاعة الحاجز العسكري بعد وصولنا إلى مدخل بيت لحم الشمالي، مشينا عبر ممرات ضيقة، نَفَذْنا من جهاز كشف المعادن، ونفذْنا من فرصة اشتباه جنود الاحتلال بنا أو بحزننا على خبر الصباح، تفقّدنا "تصاريحنا الطبّية" أكثر من خمس مرّات - خِشية إضاعتها أو نسيانها -، استمعنا لتعليمات المُجنّدة وهي تنظّم مرورنا، صارخةً عبر السمّاعة "واخِد، واخِد" ، وابتسمتُ بحزن: ها نحن بصدد خبر آخر، قتلوا حرف "الحاء".

أذكر كيف سارعنا خطواتنا حينها، بعد أن راجعنا مستشفى المقاصد للاطمئنان على صحّة شقيقي، وأكلنا من "كعك القدس"، تابعنا انطلاقنا إلى شارع "باب العامود" نتلمّس من المارّة أي خبر عن بوّابات الأقصى، إلى أن التقينا بامرأة مقدسيّة أجابتنا بنبرة مشجّعة ومُحرّضة: "هلّا جيت من هناك". سرنا بين أقواس المدينة العتيقة كسِهامٍ منطلقين بالكاد نُخفي لهفتنا. وأوقفَنا حشدٌ من العساكر المستعمرين على أكثر من مدخل، وبالكاد كظموا غيظهم لفكرة تواجدنا و"استغلالنا" هذا "التصريح" لزيارة الأقصى.

محبوسون في متحف واحد رغم ما كان بينهم من خلاف سياسي

ما زالت كُل جولة ونظرة قمنا بها كسكّانٍ أصليّين لهذه البلاد الممتدّة، لا تُغادرنا، وتحضر التفاصيل بإصرارٍ عند مشاهدة جولات الوفود "العربية" المُطبّعة في باحات المسجد الأقصى محروسة بشرطة الاحتلال، تخدش البصر وتُدمي القلب، بمشهد أقرب ما يكون إلى دراما المسلسلات التاريخية، تلك التي يحضر فيها الخونة قاعةَ بلاط الملك المُستعمِر، لأداء ركعة الولاء، محروسين بذات الشكل. 

قبل هذه الزيارة بأعوام، كنت قد استطعت في أواخر شهر رمضان أن أتسرّب بين الحشود عبر حاجز ضيّق، وعلى ظهري حقيبة مجهّزة بلوازم الاعتكاف داخل المسجد الأقصى، واستغنيت عن بعض المتاع لأُوفّر حيزاً لكتاب "الاستشراق" الذي كان يشغل عيني قراءةً حينها. زرت كنيسة القيامة قبل "الأقصى"، وملأت عيوني بالثانية لحظة دخول الساحة، وعلمت أن اعتقادنا بالقدس كأقرب بقعة إلى السماء لم يكن عبثاً، فكُلّ شيء فيها محاط بالقشعريرة والرهبة والخشوع، شعور لا يحظى به مُستعمِرٌ أو مطبِّع.

تناولت كتاب إدوارد سعيد في منتصف إحدى تلك الليالي التي مكثتها في الأقصى، وعدتُ لواحدة من الصفحات، وأخذت أقرأ بنبرة منخفضة كي لا أوقظ المُمدّدين من حولي: "في النشرات والصور الإخبارية، فالعربي يظهر دائماً في حشود كبيرة وينتفي باعتباره فرداً يتمتّع بخصائص وخبرات شخصية، ومعظم الصور تُمثّل الغضب الجماهيري الجامح والبؤس أو الحركات غير العقلانية، وخلف جميع هذه الصور يكمن التهديد بخطر الجهاد أو الخوف من أن المسلمين أو العرب سوف يستولون على العالم".

استيقظت في اليوم التالي على المُعتكفين يصرخون على مجموعةٍ من العساكر المُستعمِرين الذين دخلوا ببساطيرهم على سجّاد "المُصلى القبلي" استفزازاً لنا، نهضت بعد مغادرة العساكر، وأخذت أتتبّع طيف إدوارد الذي حضر في ذهني بكثافةٍ ذلك الصباح، وجدت نفسي في ظلّ هذه الغيمة من الأفكار مجذوباً إلى "المتحف الإسلامي" ، وشهدتُ: (العباسيين، والأيوبيين، والمماليك، والأمويين، والفاطميين... إلخ)، مُمَثَّلين بالخطوط العربية والزخارف، والأسلحة والأدوات والخشب القديم، وجدتهم محبوسين في متحفٍ واحد، رغم الخلاف السياسي الذي كان بينهم على مر الزمن.


* صحافي من فلسطين

المساهمون