كان حلماً فقط.. أنت طالق

كان حلماً فقط.. أنت طالق

20 يناير 2024
+ الخط -

وأنا أحكي لأمي وأبي حلمًا رأيته، جلسا على حافة سريري كما لو أنّني مريض في المستشفى. أصغيا إليّ بتركيزٍ وشفقة. "خيرٌ وسلامْ"، قال أبي حين قلتُ إنّي هربتُ في الحلم من قطيع كلاب، وكانت الأرض معلّقة بخيط عنكبوت، ونحن، الكلاب وأنا، نركض فقط في الهواء، دون أن تلمس أقدامنا أيّ تراب، وخوفي الّذي كان يجب أن يكون من عضّة كلّما اقترب مني النّباح، كان بدل ذلك من أنّ خيط العنكبوت سيتمزّق بسبب تلك العضّة. ثمّ تحوّلت الأرض إلى عنكبوت تنتقل من مكانٍ إلى مكانٍ متأرجحة بخيطها المطّاط، وأنا أركض، والكلاب عوض أن تنبح. سمعتُ نباحها هكذا: أرملةٌ سوداء. أرملةٌ سوداء! 

ولم يكن نباحها كلامًا بل لَمْزًا وَرَمْزًا.

ثمّ تدحرجتِ الأرض ككبّة خيط تدور حول مغزل، فرأيت جدّتي تغزل لجدّي جلبابًا، وهو واقف في الباب كالسّارية يكاد يسدّه، وعمامته تتدلّى حتّى الأرض كحبل الشّراع، ويداه خلف ظهره، ولا يستدير ناحيتنا، وأنا في سنّ أبي بشارب كثّ. أمّا أبي وأمّي فطفلان يلعبان بعنكبوت عالقة في شباكها، حاولا تخليصها من أَسْرِ نَفْسِهَا لنفسها في خيوطها، فقفزت ولسعت أبي داخل عينه.

حين قلتُ ذلك حكّ أبي عينه، فتعثرتُ بلساني في الحكي حين بدت لي عين أبي حمراء! لكنّ أمّي طلبت منّي بصيغة الأمر أن أكمل على وجه السّرعة لتعرف هل ستلسعها هي أيضًا.

أراد صفعها من جديد، لكنها أحنت رأسها، فصفعني أنا. حاولتُ التفريق بينهما وأنا أصرخ: توقّفا، توقّفا، إنّه مجرد حلم..

قلتُ إنّ أبي قال لأمّي في الحلم: أنت ابنة حرام، ابنة حرام، وعنكبوتة، أنتِ الّتي لسَعْتِنِي!

قاطعتني أمّي قبل أن أكمل، وقد عدّلت جلستها على السّرير، موجّهة كلامها مباشرة إلى أبي:

- ماذا تقصد بقولك إنّي بنت حرام؟ إذن أنا مجرّد عنكبوتة في نظرك؟ هيّا، اشرح لنا كلامك. لا تسكت كالأخرس، بل اشرح!

تَحَرَّجَ أبي. حكّ عينه متفادياً حدّة نظرات أمّي وحنقها:

- العني الشّيطان يا صْفِيَّةْ.

- لماذا ألعن الشّيطان وكلامك واضح كالشّمس؟

- لا تصرخي في وجهي، احترمي نفسك.

تدخَّلتُ بقلق: العنا الشيّطان، إنّه مجرد حلم.

واصلت أمّي كلامها محدّقة بجحوظ في عين أبي الحمراء دون حتّى أن تستدير ناحيتي، وكأنّها لم تسمعني:

- أنت الّذي تصرخ يا صَالحْ، وليس أنا، وأنت من بدأ الشّتم، هذه عادتك.

طارَ وهمُ ذبابةٍ أمام عين أبي فنشّها بيده بعصبيّة، وقبل أن يتكلّم صرخت أمّي:

- نعم، نعم، نعم. تريد أن تصفعني؟ اصفعني إذن إن كنت رجلاً، هيّا.

ودفعت خدها في اتّجاهه بتحدٍّ واضح.

- تتّهمينني في رجولتي يا صفيّة؟ إذن خذي.

وصفع الهواء لأنّها تراجعت بمهارة إلى الخلف محتمية بي. أراد صفعها من جديد، لكنها أحنت رأسها، فصفعني أنا. حاولتُ التفريق بينهما وأنا أصرخ: توقّفا، توقّفا، إنّه مجرد حلم..

في المساء عادت الأمور إلى مجراها الطبيعي ككلّ يوم، بعد أن صالحها أبي بكحلٍ وحنّاءٍ وسواكٍ، مقبِّلاً رأسها كالعادة كأنّ شيئًا لم يحدث.

كان هو يحاول الصّفع، وهي تتجنّب صفعاته بتمرّس، فلم يصفعها ولا مرّة، وتصرخ بمسكنة: 

- طلّقني.. طلّقني... فأنا لم أرَ معك أبدًا النّهار الأبيض، طلّقنِيييي. 

صفعةٌ أخرى لمست أنفي حتّى أحسست بالهواء حرّك شعري كدرّاجة نارية مرّت. نهض أبي، رفع يديه عاليًا كأنّه سيدعو الله وقال: 

- أنت طالق يا صفيّة. طالق طالق إلى يوم القيامة. طالق بالثّلاثة. طالق بالأربعة. طالق بالخمسة. طالق بالألف، طالق، طالق، طالق.

وخرج ساحبًا قدميه الضّخمتين الشبيهتين بقبرَيْ توأم رضيع.

بدأت أمّي بالنّحيب بندمٍ غامض، ونعيبٍ كنعيبِ البوم، وهي توجّه لي لومها وصراخها وسبّابتها: 

- أنت السّبب، أنت السبب، أنت السبب.

في المساء عادت الأمور إلى مجراها الطبيعي ككلّ يوم، بعد أن صالحها أبي بكحلٍ وحنّاءٍ وسواكٍ، مقبِّلاً رأسها كالعادة كأنّ شيئًا لم يحدث.

وجدتهما ينمّمان بحميميّة حول جارتنا السعدية المراكشية. قال أبي موجِّهًا كلامه لي بخجل مكتوم: 

- اجلس لتشرب معنا الشّاي. اجلس. أفرغي له كأسًا يا صفيّة. اجلس، اجلس. الحمد لله أن لا أحد سمع تطليقي لأمّك سواك.

فرفعت يدها لتفرغ لي الشّاي في كأسِ "حَيَاتِي" نظيف، وهي تقهقه قهقهة صفراء مُسَوَّكَة.

محمد بنميلود
محمد بنميلود
كاتب مغربي من مواليد الرباط المغرب 1977، مقيم حاليا في بلجيكا. يكتب الشعر والقصة والرواية والسيناريو. صدرت له رواية بعنوان، الحي الخطير، سنة 2017 عن دار الساقي اللبنانية في بيروت.