في رحيل محطم أصنام الثقافة المصرية

13 فبراير 2021
+ الخط -

محمد حافظ رجب رحل شامخًا وكريمًا دون أن تلوث ثوبه أوحال الوسط الثقافي. 

في رأيي هو أهم من كتب القصة القصيرة في مصر، لم يأخذ حقه من الشهرة والاهتمام الإعلامي، كونه ظهر معلنًا التمرد على المعادلات السائدة في زمن القطبين يوسف إدريس في القصة، ونجيب محفوظ في الرواية، وعدم قابليته للتدجين والانحناء، أو تصنع الانتماء لأستاذية أحدهما.

هو من حطم الأصنام الثقافية، وسخر منها، فاستحق اللعنة والرجم والعزل والحصار، إذ كان صاحب الصيحة الشهيرة في الستينيات من القرن الماضي"نحن جيل بلا أساتذة"، تلك الصيحة التي بقي يدفع ثمنها خمسة عقود، حتى رحل اليوم عن 85 عامًا، مات دون أن يخفض رأسه أو يحني هامته أمام رجل أعمال يوزع جوائز ومنحاً أدبية ليغطي بها فساده الاقتصادي وجهله الثقافي.

لم يقف على أبواب المؤسسة الثقافية الرسمية متسولًا عقد نشر أو منحة تفرغ.

لم يظهر اسمه على أغلفة مكتبة سوزان مبارك، ولم يزاحم أحدًا في ندوات معرض كتاب أو مؤتمر ثقافي.

منذ وقعت عيناي على أعماله وقرأت له"الكرة ورأس الرجل" و"كائنات براد الشاي المغلي"، أدركت أن هذا الرجل نسيج وحده، لا يشبه أحدًا، ولا يشبهه أحد في إبداعه، ليتحقق المعنى الحرفي للتفرد في روح الكتابة النثرية وتقنياتها، بما يفوق في شاعريته قصائد كبار الشعراء.

على أن فرادة محمد حافظ رجب المبهرة لم تكن في عالم الكتابة فقط، بل كانت تتجلى على نحو أوضح في طريقته في التعاطي مع صخب الحياة، ليكون ذلك المتعفف المترفع عما يلهث وراءه الآخرون مهدرين طاقتهم الروحية في أعمال لا تليق إلا بقرود السيرك.

في ذلك كتب القاص الصديق عبد الحكيم حيدر في هذا المكان، يوم الخميس الماضي، عن روح محمد حافظ رجب، فقال:  

"محمد حافظ رجب عبر الثمانين بسنوات خمس، من دون استجداء أي شيء من أي مخلوق أو دولة أو نظام. الرجل في هدوء صاف، بعدما عبر "ثمانينه"، بلا نواح ومن دون أن يعرض علله كما يحلو للمستورين، للأسف من أجل جائزة، أو علاج، أو تذكرة سفر، أو لجنة تحكيم، أو حتى سرقة رئاسة (المجمع اللغوي) ليلا بأمر السلطة وفرماناتها". 

بالفعل كان روحًا مغايرة، منذ ترك صخب القاهرة ومعاركها الفارغة وعاد إلى مسقط رأسه في منطقة شعبية بالإسكندرية، متعاليًا على فتات الشهرة المتساقط من موائد الزيف، ليتحول إلى ما يشبه الأسطورة، نسمع عنه، ونقرأ له وعنه، من دون أن نراه، أو نتأكد أنه يعيش بيننا.

في العام 2009، روعتني رسائل تأتيني عبر البريد العادي في مظروف ورقي كبير، على مكتبي في جريدة "الشروق" بالقاهرة، يحتوي على قصص قديمة لمحمد حافظ رجب، مكتوبة بخط اليد، من دون أن أعرف هوية المرسل، هل هو ذلك الكاتب الأسطوري نفسه، أم شخص آخر، أم هي قوة غيبية خارقة عرفت أنني مفتون بإبداع هذا الأديب، فقررت أن تفاقم اندهاشي به؟.

فيما بعد، علمت أنه هو الذي كان يرسل تلك القصص، وأذكر أنه قبل ثورة يناير كان افتتاح مكتب إقليمي للجريدة في الإسكندرية، وأول ما قمت به في زيارتي الأولى للمكتب في بداية العام 2010 أن طلبت من الزملاء البحث عن محمد حافظ رجب في كل مكان بالإسكندرية، ومحاولة إجراء حوار معه.

بالطبع لم يكن صادمًا لي أن الجيل الجديد من العاملين في الصحافة كان يسمع الاسم للمرة الأولى، مندهشًا من حديثي عنه، وعن أهميته التي لا تقل عن نجيب محفوظ ويوسف إدريس.

بعد أيام كانت المفاجأة: تم الوصول إلى محمد حافظ رجب وإجراء الحوار المطلوب معه، وتصويره.

في الصورة التي التقطت له واقفًا في شرفة منزله، بدا لي وجهًا من وجوه مبدعي الأدب اللاتيني العظام، ماركيز وبابلو نيرودا وهذه الأسماء القادمة من عالم السحر والأسطورة.

كان أكثر ما يثير فضولي السؤال عما جعله يأنف أضواء ثقافة العاصمة ويعود سريعًا إلى الظل، هناك في قوقعته الخاصة، داخل منزل بسيط يطل على ترعة النوبارية بحي المتراس بمنطقة الورديان بالإسكندرية.

عن العودة، قال ردًا على سؤال الصحافية هدى الساعاتي: "عودتي إلى الإسكندرية كانت لأنني وُجدت في بيئة يتشابه فيها الناس في لعبة الخضوع للحاكم الأوحد، حيث ركبت الأجيال السابقة الموجة ولم تتح لغيرها فرصة الوجود واكتفت بالابتسامة أمام الجدد والتظاهر برعايتهم، وقد أطلقت عام 1958 صيحتي (نحن جيل بلا أساتذة) وتجمع حولها بعض الشباب في ذلك الوقت".

يكمل قائلاً "يحاط الشخص بظروف مستبدة ومشوهة تضطره للدخول في صمت، وأنا بطبيعتي إذا وُجدت في بيئة مستبدة تتزعمها قوة خفية ترى في أعمالي إزعاجا، حتى الصحف والمجلات صمتت هي أيضا عن نشر رسالتي الإبداعية لأنها تدرك لمن توجه هذه الرسائل، وتبين لي أنها كذبة من أكاذيب الأيام المعاصرة".

قيمة محمد حافظ رجب ليست فقط في جسارته على المغامرة وارتياد ما لم يسبقه إليه أحد في عالم الكتابة، بل تتعدى ذلك إلى إيمانه العميق بمغامرته وتجربته، من دون أن ينحني أمام عواصف الإرهاب النقدي التي مارسها ضده التقليديون المخلصون لرثاثة الكتابة العقيمة، والذين بلغت البلادة السلطوية ببعضهم حد اتهامه بالجنون والكتابة تحت تأثير المخدرات.

مات محمد حافظ رجب بعد نصف قرن في أقبية التجاهل والنسيان، فاندلعت التغطيات الصحافية والمرثيات والبكائيات عن ذلك العبقري الذي قتلوه وهو على قيد الحياة، وها هم يحاولون إحياءه بعد أن فارقنا.

 

الصورة
محمد حافظ رجب/ فيسبوك

 

هامش: سوف أبقى مدينًا بالكثير لصديقي النبيل الذي أرسل لي قبل ثلاثة أعوام من القاهرة هدية هي الأغلى: الأعمال الكاملة لمحمد حافظ رجب الصادرة عن دار "العين".

دلالات