يحدث لهوية السوريين في عفرين

14 مايو 2020
استيقظ السوريون على مشهدٍ قد يحمل الهم السوري إلى مكان بعيد، بوحشة أكثر. المشهدُ بالغ الدلالة لكشف طبيعة (وتركيبة) جهاتٍ لا تكترث سوى لنزواتها وغرورها وتعاميها عن مآسي من يُفترض أنها تحميهم تحت وطأةِ حربٍ أُزهقت فيها أرواح الملايين، فعمقت تلك الجهات الشرخ بين المكونات، عوضاً عن تقدير خروجهم منتفضين؛ بغية دولةٍ وطنية، ومفهومٍ للمواطنة الحقوقية التي تصونُ حيوات السوريين وخصوصياتهم. ما يؤكد أن شقاقاً عنيفاً قوياً عميقاً يُخيم على السوريين، خصوصاً أن لا أحد انتبه إلى أحقية الاهتمام بمن فقدوا حياتهم في هذه الحرب التي ما عادت تعرف كيف تنتهي. 
ببساطة. للمرّة الثانية، يزور صدّام حسين مدينة عفرين عبر بعض السوريين، بعد أن رافقت صورته سير بعض الفصائل المشاركة في عملية "غصن الزيتون". ويمنح بعض من السوريين العرب أنفسهم حق الابتهاج بصورة من يرونه زعيماً عربياً، ويحرّمون على غيرهم من السوريين الكرد الرفض أو اتخاذ موقفٍ بالضد. تلقف الكُرديُ رفع الصورة برسالة مفادها "لا تعد إلى عفرين، وعلى من تبقى الخروج". كثرة الانتهاكات الحاصلة ضد السوريين على يد السوريين في عفرين تحملنا على القول إنها إسقاطٌ لكُل معاني الثورات وقيمها وأخلاقها، وما عادت الأجناس الصحافية تكفي لعرض الانتهاكات الحاصلة في عفرين، ولا التوثيق يمنح شيئاً من الحقِ لأصحابه، فالقضية كَبُرت إلى حد الحاجة لفرق عدّة باختصاصات مختلفة، لرصد تلك الانتهاكات الموزّعة ما بين حرق أشجار الزيتون وقطعها، وخطف الأبرياء وطلب الفدية، والسيطرة على أموال المدنيين وأرزاقهم وبيوتهم، ممن فضلوا التمسك بأرضهم، وكذا عمليات القتل والاغتيالات. يسأل "العفريني" في قرارة نفسه: "هل لأجل هذا خرج السوريون عراة الصدر في مواجهة آلة الموت؟"
عوضاً عن ذلك، ثمة عفنٌ فكريٌ دفع بعضهم إلى رفع صورة صدّام حسين على أحد مقرّات
 جيش الإسلام في عفرين التي يُعمل يومياً على إسقاط هويتها ولغتها وكينونتها. الإسقاط الذي هو الفعل الأساس في إلغاء فضاء الوطنية والمواطنة، والخطأ الأعمق بشأن إمكانية بقاء راهن عفرين وكل سورية على حالها، وهوس مخيالهم عن عودة المحق والسحق للكُرد وعدالة قضيتهم. يُعرف عن رئيس العراق الأسبق عدله وإنصافه في توزيع الظلم والمجازر بين المكونات السياسية والدينية المُشكلة للمشهد العراقي المُعقد، والذي لم يهتم فيه البعث العراقي إلا بصور الظلم والجينوسايد (الإبادة) لإنهاء التعدّدية التي وفرتها الفطرة الطبيعية. مع ذلك، لم ينتصر صدّام لا على شعبه ولا على كُل الحروب الخارجية التي افتعلها مع إيران والكويت والعمق العربي والإسلامي. كما فشل في وأد ثورات الكُرد، ولم ينجح في إنهاء الشيعية، ولم تفلح سياسات التجويع في إركاع السنّة.
وضع "جيش الإسلام" يده على منزل مدني ينتسب أصحابه إلى الإيزيدية، ليتحوّل المنزل إلى مقرّ لإحدى فصائل هذا التشكيل. ومن دون أي شعور لا بالهوية السورية، ولا بالهمّ الوطني الجمعي، وما قدّ تتسبب به رموز أو صور من تهييج المشاعر القومية للكُرد. رُفعت صورة زعيم جيش الإسلام المقتول زهران علوش إلى جانب من اعتبره أخاً في السلاح والفكر، صدّام حسين. كِلاهما أذاق المدنيين الويلات، ولم يجلبا إلى مناطق حكمهما سوى المآسي والحروب. الأول انتصر عبر توزيع عناصره ما بين عفرين وراس العين (سري كانيه) وتل أبيض، والثاني امتهن لعبة الإبادة الجماعية. في الطرف المقابل، ثمّة من أزهق أرواح أهل عفرين ونكّد عيشتهم ونكّلَ بهم، ولم يعرف تاريخ الكُرد في سورية أن استولى كُرديٌ مدني على مال غيره، وبل تحولت عفرين التي كانت قد احتضنت مئات آلاف من السوريين الفارّين من الجحيم إلى عفن خاص لقتل السوريين الكرد، نفسياً أو جسدياً.
المشهد الأكثر دلالةً يدور حول سؤال الهم لكل السوريين، ومنهم الكُرد: أيَّ دولة سنحظى بها، 
ووفق أيَّ نوعٍ من الهويات سنعيش من جديد. في هذا الوقت، تجلس المعارضة السورية على مناصبها، عاجزة عن ضبط إيقاع ما يتسبب بإنهاء الانتماء والولاء لسورية دولة للسوريين جميعاً، وقابضة بيدٍ رخوة على مفاصل تشتيت وتمييع وتمزيق ما تبقى من وشاح سترِ وحدّة الموقف لهم، ولمكونات المعارضة.
الهمُّ والمقتلة السورية يتجاوزان قضية رفع صورة يُقال إنه تصرفٌ فردي، وما أكثر التصرّفات الفردية التي أضرّت بالسوريين وقضيتهم، ومسخت هويتهم، وأكثرت من اليتامى والثكالى، ليصلا إلى امتلاك الفصائل العسكرية في عفرين الرغبة بالمواجهة والاستعداد لها. المواجهة اليوم بين من ترك إدلب تحت رحمة قنابل "الجيش العربي السوري" وقصفه ومن تمسّك بمحق الهوية الكُردية في عفرين ولا يرى أيَّ هوية سورية جامعة مستقبلاً.
لم يعد للكُرد الخاضعين لسلطة فصائل المعارضة السورية من شيء يقولونه سوى مساءلتهم أنفسهم ما إذا صار من حقهم ندمهم للمشاركة مع عموم غيرهم من السوريين أم لا، فالفضيحة الممارسة يومياً في عفرين، تل أبيض، رأس العين (سري كانيه)، لم تعد فضيحة للفصائل فحسب، بل للسوريين الذين حملوا قيماً ورغبةً في بناء دولة الهوية الجمعية. وتتسرّب أخبارٌ عن حل سياسي سوري في العام الحالي (2020)، بيد أن استمرار الانتهاكات يُظهِر مخاوف كُردية من أن تكون الكوارث التي تحدث في عفرين نسخة غير معدّلة عن المشروع السياسي المستقبلي لسورية، حينها سيتجدد سؤال الهم الكُردي السوري، من نحن في هذه البلاد؟