ويسألونك عن الاقتصاد السوري

19 مارس 2015
الصورة
+ الخط -
يصيبني ارتباك عندما توجه لي وسائل إعلام سؤالاً عن وضع الاقتصاد السوري، هل انهار أو هل يواجه أزمة .. إلخ. الجواب صعب ومربك، فالمسألة ليست أزمة اقتصادية وركوداً اقتصادياً ومعدلات نمو أو حتى انهياراً، بل شيئاً أفظع من ذلك بكثير، ولا أجد كلمات يمكن أن تصف وضع الاقتصاد وحجم الكارثة والظروف المريعة لمعيشة الجزء الأكبر من الشعب السوري اليوم، والقتال على أشده.
يعكس الاقتصاد، دائماً، الوضع المعيشي للناس، وتبقى لغة الأرقام الأكثر تعبيراً عن حالة الدمار الذي أصاب سورية بصورة مرعبة، وتجمع التحقيقات والتقارير جميعها على أن الوضع فظيع ومرعب، وجديدها تقارير صدرت، في مارس/آذار الجاري، عن المركز السوري لبحوث السياسات.
أصبح الاقتصاد السوري الذي كان في خبر كانَ، فقد غابت السلطة المركزية، ولم يعد ثمة اقتصاد واحد، بعد أن انتهت البلاد إلى قسمين، إذ فقد النظام السيطرة على نحو ثلثي مناطق سورية، وعلى أكثر من نصف السكان. وما زال في بعض المناطق التي يسيطر عليها النظام بعض حياة اقتصادية بالحد الأدنى للعيش، أما المناطق الأخرى فتغيب عنها أية سلطة، سوى سلطة المجموعة التي تسيطر على الأرض، سواء بعض فصائل الجيش الحر، أم مجموعات متطرفة، مثل داعش والنصرة وأمثالهما، أم الحزب الديمقراطي الكردي. وقد تمت مساع لتشكيل مجالس محلية في هذه المناطق، لتقديم الحد الأدنى من الخدمات وبإمكانات محدودة جداً. أما المناطق التي يفرض النظام الحصار عليها، ويمنع دخول الإغاثة إليها في حي الوعر في حمص وفي غوطة دمشق وداريا والمعضمية ومخيم اليرموك في دمشق، فيموت السكان من الجوع، وتقدر منظمة يونيسيف أن نحو 212 ألف مواطن سوري يعيشون تحت الحصار.
بلاد بلا كهرباء، فكيف توجد حياة اقتصادية، اليوم، بدون كهرباء، سواء للبيت أم المدرسة أم المصنع أم غيره، فبحسب تقرير "يونيسف"، 83% من أنوار سورية مطفأة، ما يعني أن 83% من طاقة التوليد توقفت عن العمل، بسبب وقوعها خارج سيطرة الدولة، أو بسبب نقص الوقود، سواء فيول أم غاز. مناطق واسعة لا تصل إليها أية كهرباء، وحتى العاصمة دمشق تنقطع عنها الكهرباء ساعات طوالاً كل يوم.
توقفت السياحة، منذ الشهور الأولى للأحداث، وتوقفت المصانع، بعد أن دمر ونهب جزء كبير منها، بسبب قصف النظام أو نهب بعض مجموعات المعارضة، والتي نهبت مؤسسات الدولة
 في المناطق التي خرجت من تحت سيطرة النظام، وتكمل داعش الصورة اليوم، بتفكيك كل ما يمكن تفكيكه، بما في ذلك سكة الحديد، وبيعها خردة لمن يشتري، ليهربها مع النفط وغيره إلى تركيا، ما يمد داعش بالأموال وبالحياة. وتراجع النقل إلى الحد الأدنى، وتوقف البناء، لأن آلة الهدم هي التي تعمل، عدا بعض مناطق سيطرة النظام، حيث يحول الشبيحة أموالهم إلى عقارات. وحتى الزراعة تراجعت إلى النصف، ومستلزمات الزراعة أصبحت غير متوفرة وظروف الصراع لا تسمح بالعمل في الأرض، وقد تحولت سورية إلى مستورد للحبوب، بعد أن كانت مصدرة لها.
تعاني موازنة الدولة من عجز كبير، والنظام يعيش على الاقتراض الخارجي والداخلي، وقد ارتفع الاقتراض الخارجي إلى ما يقرب من مرة ونصف المرة من الناتج المحلي، أما الدين الداخلي فأكبر من ذلك. وبدلاً من الاقتصاد الذي كان، تحولت مناطق واسعة لتأمين احتياجاتها، من خلال عملها في أرضها وبيتها، وإلى نوع من الاقتصاد المنزلي، بعيداً عن السوق، كما كان الوضع في العهد العثماني. ويسود، اليوم، اقتصاد المجموعات المسلحة المعارضة والموالية على السواء، واقتصاد المافيات والسوق السوداء، اقتصاد السلب والنهب والخطف وقوى التسلط المهيمنة وعصابات الاتجار بالبشر والآثار العابرة للحدود، النظام يعجز عن تمويل مجموعات الشبيحة، فيدفعهم نحو نهب المجتمع، ويبتز رجال أعماله، قائلا لهم: جنيتم ما جنيتم من خلالنا عندما هيأنا لكم فرص الربح الوفير، واليوم، جاء دوركم لتسددوا الدين.
بحسب "يونيسيف"، فإن 2.6 مليون تلميذ لا يذهبون إلى المدارس، وخسروا، حتى الآن، ثلاث سنوات دراسية، وأطفال بعمر عشر سنوات لا يجيدون القراءة والكتابة، وستحصد سورية جيلاً من الأميين. توقفت أماكن العمل، والبطالة تزيد على 60%. أكثر من 12.5 مليون سوري فقدوا أي مورد للرزق، ونحو 75% من السوريين أصبحوا فقراء، وقد روى لي أحد أبناء الرقة أن عائلات الرقة تضطر إلى إرسال أحد أبنائها للتطوع لدى داعش، كي يحصل على راتب شهري يسد عوز الأسرة. الشباب، بدلاً من حمل كتب العلم والذهاب للمدارس والجامعات وإلى أماكن العمل، يذهبون إلى حمل السلاح وجبهات القتال، ليقطف القتال زهرة شبابهم. ثلاثمائة ألف قتيل ومليون جريح ربعهم معاق، ولم يحسب أحد عدد الأيتام، فبفرض أن ثلث من قتلوا متزوج ولديه ثلاثة أطفال وسطياً، لكان لدينا ستمائة ألف يتيم فقد أحد الأبوين، ويوجد نحو 60 ألف يتيم فقد الأبوين معاً، حسب منظمة الشام للأيتام. فأي مستقبل ينتظرهم، وحبل القتال ما زال على غاربه، وآلة القتل مستمرة.
أكثر من عشرة ملايين سوري تم تهجيرهم في أكبر عملية تهجير بعد الحرب العالمية الثانية، وأصبح السوريون، اليوم، أكبر مجموعة مهجرة في العالم، ويشكلون اليوم نحو 23% من مجموع المهجرين في العالم، وهو الإنجاز الوحيد للنظام الذي يمكن توثيقه في مجموعة غينيس. نحو أربعة ملايين هجّروا إلى دول الجوار، ويعانون شظف العيش، وأكثر من ستة ملايين اضطروا للهجرة داخل سورية للعيش في شروط سيئة، والأهم أن هؤلاء خرجوا من دائرة العمل، وأصبحوا مستهلكين يعيش جزء كبير منهم على الإغاثة، بما تخلقه من روح اتكالية، واضطر كثيرون منهم للتخلي مكرهاً عن كرامته وعن قيمه وحتى أخلاقه. أعداد كبيرة من الأطفال امتهنوا الشحادة في دول الجوار، تركوا المدارس، وذهبوا يستجدون المارة، ليؤمنوا معيشة عائلة وراء كل منهم، وترفض عائلاتهم العديدة إرسالهم إلى المدارس.
تم تهديم ربع مساكن سورية بالقصف أو بالبراميل، ومشاهد تذكر بالحرب العالمية الثانية، نصف المشافي والمستوصفات دمرت، أو خرجت من العمل، ومثلها المدارس دمرت أو استخدمت أماكن إيواء. والخسائر تقدر بما يزيد على 200 مليار دولار. وسطي عمر السوريين هبط من 75.9 سنة عام 2010 إلى 55.7% في 2014، حسب التقرير المذكور أعلاه، وهو واحد من أخفض المعدلات في العالم، ويعيد سورية إلى القرون الوسطى.
حتى تسمية "اقتصاد الحرب" لا تنطبق على الوضع في سورية، لافتقاد السلطة المركزية، كما الحال في الحروب بين دول، بل هو اقتصاد الحرب الأهلية التي تعطل الحياة عن العمل. فهل بقي اقتصاد سوري بعد هذا كله؟
إنها كارثة، تعوّد العالم على مشاهدة فصولها بضمير ميت، ومن دون أن يفعل شيئاً.