وعود قبل بلفور.. نابليون والروس والألمان سبقوا بريطانيا

02 نوفمبر 2014
الصورة

اللورد آرثر بلفور في زيارة لكنيسة القيامة في القدس(1920/Getty)

+ الخط -
مضت 97 عاماً على صدور وعد أو "تصريح" بلفور عن الحكومة البريطانية، واتخذ شكل رسالة وجهها وزير الخارجية البريطانية، اللورد آرثر جيمس بلفور، إلى اللورد إدموند روتشيلد زعيم الصهاينة من اليهود البريطانيين في 2/11/1917. وتضمن نصها التالي: "عزيزي اللورد روتشيلد: يسرني جدًّا أن أبلغكم (....) أن حكومة صاحب الجلالة تنظر بعين العطف إلى تأسيس وطن قومي للشعب اليهودي في فلسطين، وستبذل غاية جهدها، لتسهيل تحقيق هذه الغاية. على أن يكون مفهوماً، بشكل واضح، أنه لن يؤتى بعمل من شأنه أن ينتقص الحقوق المدنية والدينية التي تتمتع بها الطوائف غير اليهودية، المقيمة الآن في فلسطين، ولا الحقوق أو الوضع السياسي الذي يتمتع به اليهود في البلدان الأخرى. أكون ممتنًا لكم، لو أبلغتم هذا التصريح إلى الاتحاد الفيدرالي الصهيوني".

ونعت هذا الوعد بصفة "المشؤوم" في الأدبيات السياسية الفلسطينية والعربية، أو استبدال كلمة "وعد" بمصطلح "تصريح"، لا يشكلان بيت القصيد في إدراك ملابسات وخلفيات "رسالة مختصرة، بريئة المظهر لا تزيد على 117 كلمة بالإنجليزية، شكلت وثيقة غيرت مجرى التاريخ تغييراً عشوائياً (...)، فالصراع العربي ـ الإسرائيلي هو في العالم المعاصر المشكلة الأولى التي يحتمل أن تفجر يوم القيامة النووي"، حسب تعبير الكاتب والصحافي البريطاني، ديفيد هيرست، في كتابه "البندقية وغصن الزيتون".

مسودات سابقة

وجاءت الصيغة الأخيرة للوعد، بعد تداول ست مسودات على مدار تسعة شهور، هي:

1 ـ المسودة التمهيدية لوزارة الخارجية البريطانية، كانت المفردات الرئيسية فيها: اللجوء والملجأ. والتصور أن تعلن الحكومة البريطانية تحبيذها لكي ينشأ في فلسطين "ملاذ لضحايا الاضطهاد من اليهود".

2ـ المسودة التمهيدية الصهيونية في 12/7/1917، نصت على أن الحكومة البريطانية "تقبل بمبدأ الاعتراف بفلسطين وطناً قومياً للشعب اليهودي، وحق الشعب اليهودي في بناء صرح حياته القومية في فلسطين، تحت ظل حمايةٍ تجري إقامتها عند إبرام الصلح، وعقب انتهاء الحرب إلى النجاح ( ...) منح الاستقلال الداخلي للقومية اليهودية بفلسطين، وحرية الهجرة لليهود".

3 ـ المسودة الصهيونية في 18/7/1917 نصت على: "إن حكومة جلالة الملك تقبل المبدأ القائل إنه يجب تحويل فلسطين إلى وطن قومي للشعب اليهودي. وسوف تبذل حكومة جلالته أفضل مساعيها لضمان تحقيق هذا الهدف، وسوف تبحث الطرق والوسائل اللازمة مع المنظمة الصهيونية".

4 ـ مسودة بلفور المقدمة في أغسطس/آب 1917، نصت على: "إن حكومة جلالته تقبل المبدأ القائل بإعادة تكوين فلسطين وطناً قومياً للشعب اليهودي. وهي سوف تستخدم أفضل مساعيها لضمان تحقيق هذه الغاية".

5 ـ مسودة ميلنر المقدمة في أغسطس/آب 1917، نصت على "إن حكومة جلالته تقبل المبدأ القائل بإتاحة كل فرصة ممكنة لإقامة وطن بفلسطين للشعب اليهودي".

6 ـ مسودة ميلنرـ آمري في 4/10/1917، نصت على: "إن حكومة صاحب الجلالة تنظر بعين العطف إلى تأسيس وطن قومي في فلسطين للجنس اليهودي، وسوف تبذل أقصى مساعيها لتسهيل تحقيق هذه الغاية، على أن يفهم جلياً أنه لن يؤتى بعملٍ من شأنه إلحاق الأذى بالحقوق المدنية والدينية للطوائف غير اليهودية الموجودة في فلسطين، أو الحقوق والمكانة السياسية التي يتمتع بها، في البلدان الأخرى، أولئك اليهود الذين يشعرون بقناعةٍ تامةٍ، إزاء جنسيتهم ومواطنيتهم الراهنة".

نابليون بونابرت أولاً

وسبقت الوعد "وعود بلفورية" أصدرها رجال سياسة في الغرب منذ القرن التاسع عشر. كان أولهم نابليون بونابرت، أول غاز للشرق في العصر الحديث. ومما جاء في وعده: "من نابليون، القائد الأعلى للقوات المسلحة للجمهورية الفرنسـية في أفريقيا وآسيا، إلى ورثة فلسطين الشرعيين. أيها الإسرائيليون، أيها الشعب الفريد، الذين لم تستطع قوى الفتح والطغيان أن تسلبهم اسمهم ووجودهم القومي، وإن كانت قد سلبتهم أرض الأجداد فقط.  (....) إن الجيش الذي أرسلتني العناية الإلهية به، والذي يقوده العدل ويواكبه النصر، جعل القدس مقراً لقيادتي، وخلال بضعة أيام، سينتقل إلى دمشق المجاورة التي لم تَعُد تُرهب مدينة داود. 

يا ورثة فلسطين الشرعيين: إن الأمة التي لا تتاجر بالرجال والأوطان، كما فعل أولئك الذين باعوا أجدادهم لجميع الشعوب (يوئيل 4/6)، تدعوكم لا للاستيلاء على إرثكم، بل لأخذ ما تم فتحه والاحتفاظ به بضمانها وتأييدها ضد كل الدخلاء. انهضوا وأظهروا أن قوة الطغاة القاهرة لم تُخمد شجاعة أحفاد هؤلاء الأبطال الذين كان تَحالُفهم الأخوي شرفاً لإسبرطة وروما (مكابيون 12/15)، وأن معاملة العبـودية التي دامت ألفي عام لم تُفلح في إخمادها".

نابليون

واللافت أن نابليون لم يَكُن يُكن كثيراً من الحب أو الاحترام لليهود، وهذا يظهر في تشريعاته في فرنسا. وكان إرسالهم إلى فلسطين يشكل حلاً للمسألة اليهودية في فرنسا. كما كان نابليون يهدف إلى توظيف اليهود في خدمة مشاريعه وتحويلهم إلى عملاء له.




الألمان والروس

وتمثلت الصيغة الألمانية لوعد بلفور في إثمار مساعي هرتزل واتصالاته مع المسؤولين الألمان في خطاب من دون إيلونبرج باسم حكومة القيصر إلى هرتزل، مؤرخ في سبتمبر 1898، جاء فيه: "إن صاحب الجلالة (...) يحب جلالته أن يخبركم عن استعداده أن يأخذ على عاتقه مسؤولية محمية [يهودية] في حالة تأسيسها".

وأيضاً، لم يكن قيصر ألمانيا تحت أية ضغوط، للبحث عن مسوغات رومانسية، بل إن العكس في حالته هو الصحيح، إذ كان عليه أن يبرر أمام شعبه مسألة تعاطفه مع المشروع الصهيوني، وتأييده له، بل واستعداده لأن يضع الصهاينة تحت حمايته. وكما قال في خطابه المؤرخ 29 سبتمبر/أيلول 1898، والمُرسَل إلى دوق بادن، فإن تسعة أعشار شعبه سيُصدَم صدمة عميقة، إذا اكتشف هذه الحقيقة. فاليهود، كما يقول، هم قتلة المسـيح، وهو يعـترف بهـذه الحقيقـة، لكنه يضـيف: "إن الإله قد أنزل بهـم العـقاب على ما اقترفوه من آثام، إلا أنه لم يأمر المسيحيين بأن يسيئوا معاملة هذا الشعب".

وفي سنة 1901، صَدَر الوعد البلفوري القيصري على شكل رسالة وجهها فون بليفيه وزير الداخلية الروسي المعادي لليهود، إلى تيودور هرتزل، نصت: "ما دامت الصهيونية تحاول تأسيس دولة مستقلة في فلسطين، وتنظيم هجرة اليهود الروس، فالمؤكد أن تظل الحكومة الروسية تحبذ ذلك. وتستطيع الصهيونية أن تعتمد على تأييد معنوي ومادي من روسيا، إذا ساعدت الإجراءات العملية التي يفكر فيها على تخفيف عدد اليهود في روسيا".

وقدم الوزير البريطاني اليهودي الصهيوني، هربرت صموئيل، في سنة 1908 مذكرة، اقترح فيها تأسيس دولة يهودية في فلسطين، تحت إشراف بريطانيا، شارحاً الفوائد الاستعمارية التي ستجنيها بريطانيا من قيام هذه الدولة في قلب العالم العربي والقريبة من قناة السويس.

نسخة من رسالة بلفور إلى روتشيلد

 وصدر وعد بلفوري ألماني ثان، بعد صدور تصريح بلفور البريطاني، عن وكيل وزارة الخارجية الألمانية، نصه: "نؤيد رغبة الأقليات اليهودية، في البلدان التي لهم فيها ثقافة متطورة، في أن تختط طريقها الخاص بها، ونميل إلى دعم أمانيها. أما بالنسبة إلى أماني اليهود، وخصوصاً أماني الصهاينة منهم في فلسطين، فإن الحكومة الألمانية ترحب بالتصريح الذي أدلى به، مؤخراً، الصدر الأعظم، طلعت باشا، والذي يعبِّر عن عزم الحكومة التركية، المتفق مع نظرتها الودية نحو اليهود بوجه عام، على تنمية استقرار يهودي مزدهر في فلسطين، عن طريق الهجرة غير المُقيَدة والاستيطان ضمن قدرة البلاد الاستيعابية، وقيام حكم ذاتي يتفق وقوانين البلاد والتطور الحر لحضارته".

وبعد صدور الوعد البلفوري الألماني، استمر الصهاينة في الضغط على الدولة العثمانية. وكلَّف الصدر الأعظم، بعد عودته من برلين، النائب اليهودي التركي قاراصو بتأليف لجنة يهودية عثمانية، لوضع التفاصيل العملية لإنشاء شركة ذات امتياز في اسطنبول، تتولَّى العمل في المناطق المأهولة باليهود لإقامة حكم ذاتي فيها. وأمر طلعت باشا بدراسة الخطة التي وضعتها اللجنة، ووعد بتبنيها عند بَحْث شروط الصلح بعـد انتهاء الحـرب.

وسعى الصهاينة، انطـلاقاً من هذا الوعد، إلى الحصول على مزيد من التنازلات من الجانب العثماني، وإصدار تصريح عثماني مماثل لتصريح بلفـور. وقد تمكنـوا من الحصـول على هذا التصريح في 14 يوليو/تمـوز 1918، وتشكلت لجنة عثمانية لوضع ما جاء فيه موضع التنفيذ.

مصالح بريطانية

وعبر عن الدافع المصلحي الاستراتيجي لبريطانيا من "الوعد"، تشارلز سكوت، رئيس تحرير صحيفة "مانشستر غارديان" في ذلك الوقت 1916 بقوله: "كانت بلاد ما بين النهرين مهد الشعب اليهودي، ومكان منفاه في الأسر. وجاء من مصر موسى مؤسس الدولة اليهودية. وإذا ما انتهت هذه الحرب بالقضاء على الإمبراطورية التركية في بلاد ما بين النهرين، وأدت الحاجة إلى تأمين جبهة دفاعية في مصر إلى تأسيس دولة يهودية في فلسطين، فسيكون القدر قد دار دورة كاملة. وليس لفلسطين في الواقع وجود قومي أو جغرافي مستقل، إلا ما كان لها من تاريخ اليهود القديم الذي اختفى مع استقلالهم. ولذلك، عندما أطلق عليها بلفور اسم وطن قومي لم يكن يعطي شيئاً يخص جهة أخرى، أو شعباً آخر. إنها روح الماضي التي لم يستطع ألفا عام أن يدفناها، والتي يمكن أن يكون لها وجود فعلي، من خلال اليهود فقط. كانت فلسطين الأرض المقدسة للمسيحيين، أما بالنسبة لغيرهم، فإنها تعتبر تابعة لمصر أو سورية أو الجزيرة العربية، لكنها تعدّ وطناً قائماً بذاته بالنسبة لليهود فقط".

اللورد روتشيلد

 

يدحض هذا الدافع الحقيقي نظريات عدة، وضعت لتفسير إصدار إنجلترا وعد بلفور. كالنظرية الرومانسية، ومفادها بأن بلفور صدر في موقفه هذا عن إحساسٍ عميق بالشفقة تجاه اليهود، بسبب ما عانوه من اضطهاد، وبأن الوقت قد حان لأن تعمل الحضارة المسيحية شيئاً لليهود. ولذلك، كان يرى أن إنشاء دولة صهيونية هو أحد أعمال التعويض التاريخية.

ولكن، من الثابت تاريخياً أن بلفور كان معادياً لليهود، وأنه حينما تولى رئاسة الوزارة البريطانية، بين عامي 1903 و1905، هاجم اليهود المهاجرين إلى إنجلترا، لرفضهم الاندماج مع السكان، واستصدر تشريعات تحد من الهجرة اليهودية، لخشيته من الشر الأكيد الذي قد يلحق ببلاده.

وتفيد النظرية الأخلاقية بأن إنجلترا أصدرت الوعد، تعبيراً عن اعترافها بالجميل، لحاييم وايزمان، لاختراعه مادة الأسيتون المحرقة أثناء الحرب العالمية الأولى. وهناك نظرية تذهب إلى أن الضغط الصهيوني (واليهودي) العام هو الذي أدَّى إلى صدور وعد بلفور.

ولكن، معروف أن أعضاء الجماعات اليهودية لم يكونوا كتلة بشرية ضخمة في بلاد غرب أوروبا، وهم لم يكونوا من الشعوب المهمة التي كان على القـوى العظـمى أن تساعـدها أو تعـاديها، بل كان من الممكـن تجاهلهم.

وعلى عكس المُتصوَّر، لم يبادر الصهاينة بالمفاوضات مع الحكومة البريطانية، وإنما نجد أن الحكومة البريطانية هـي التي بادرت بالاتصـال بهم. وقد تَقـدَّم الصهاينة بمطالبهم، ولكن رئيس الوزراء، إسكويث، كان ملتزماً بسياسة إحلال العرب محل الأتراك. وكانت الحكومة البريطانية قد درست مستقبل فلسطين، وتوصلت إلى مخططٍ بشأن هذا المستقبل.

وهناك، لحسن الحظ، المذكرة التي تقدَّم بها السير هربرت صموئيل في مارس/آذار 1915 للحكومة البريطانية، أوضح فيها خمسة احتمالات لمستقبل فلسطين، بعد انهيار الدولة العثمانية. وكان الاحتمال الخامس هو الوحيد القابل للتحقيق، وشكل الدوافع الحقيقية والعامة لإصدار وعد بلفور، وأهمها:

1-يشكل إنشاء المحمية ضماناً لسلامة مصر.

2 ـ سوف يُقابَل إعلان الحماية البريطانية بالترحيب من السكان الحاليين.

3 ـ ستُعطَى المنظمات اليهودية تحت ظل الحكم البريطاني تسهيلات لابتياع الأراضي وإنشـاء المسـتعمرات وإقامة المؤسـسات التربوية والدينية، والتعاون في إنماء البلاد اقتصادياً. وستنال مسألة الهجرة اليهودية مركز الأفضلية، بحيث يتحول السكان اليهود إلى أكثرية مستوطنة في البلاد.

ولذلك، يمكن وضع وعد بلفور في منزلة "عقد شراكة" يرمي إلى تهويد فلسطين، أرضاً وشعباً وسوقاً، خدمة للمصالح الحيوية البريطانية بداية، والأميركية لاحقاً، في منطقة الشرق الأوسط.