ظاهرة إعادة الانتخاب.. تسويق دكتاتورية الأثرياء في الكونغرس

14 نوفمبر 2014
الصورة

أميركيون من أنصار الحزب الجمهوري أثناء الحملة الانتخابية لحزبهم(6نوفمبر/2014/Getty)

جرت، أخيراً، انتخابات التجديد النصفي الأميركية للكونغرس وحكام الولايات. وتابعها عن كثب 18% فقط من السكان. فقد أدلى نحو 90 مليون أميركي بأصواتهم. والعدد يبدو كبيراً، لكنه يمثل أقل من 40% من الناخبين، وكان أكثر من 60% ممن أدلوا بأصواتهم من الجمهوريين، على الرغم من أن المرشحين والجماعات الناشطة ولجان العمل السياسي أنفقت ما يزيد على مليار دولار، لنشر أكثر من مليوني إعلان انتخابي.

ويتألف الكونغرس الأميركي من مجلسين، الشيوخ الذي يجري انتخاب أعضائه لفترة مدّتها ست سنوات؛ والنواب الذي يخدم الأعضاء فيه مدة سنتين.

وثمة أساطير، أو خرافات، تصاحب انتخابات الكونغرس، منها: أن نتائجها تسمح بتوقّع نتائج الانتخابات الرئاسية المستقبلية؛ وأن الاقتصاد هو العامل الأهم لدى الناخبين. بينما يفيد الواقع بأن هذه الانتخابات تتحدد، إلى حد كبير، بعوامل قصيرة الأجل، بما في ذلك شعبية الرئيس والوضع الاقتصادي. ونتيجة ذلك، نادراً ما تشير إلى اتجاهات طويلة الأمد، ولا قيمة لها في توقع نتائج الانتخابات الرئاسية أو التشريعية اللاحقة. والرؤساء الذين لحقت بهم خسائر كبيرة في الانتخابات النصفية، مثل هاري ترومان في عام 1946، ورونالد ريغان في 1982، وبيل كلينتون في 1994، أعيد انتخابهم بسهولة، بعد ذلك بعامين. كما أن مقولة الاقتصاد هو العامل الأهم ليست صحيحة دائماً، انخفاض الاقتصاد يشوه عموماً صورة حزب الرئيس. ويسهم في خسارة هذا الحزب في انتخابات التجديد النصفي. لكن ضعف الاقتصاد لا يعني تلقائياً كارثة انتخابية، وخصوصاً إذا كان الناخبون منشغلين بمشكلات أخرى، مثل الحروب أو الفضائح.

ويتبيّن لمراقب الحياة السياسية في الكونغرس أن الخط، أو الموقف الحزبي، لا يحظى دائماً بالغلبة، أو الأفضلية لدى أعضاء الحزب نفسه، إذ نجد، في أحيانٍ كثيرة، أن عضواً في الكونغرس، سواء كان في مجلس الشيوخ أو مجلس النواب، لديه موقفه الشخصي في قضية ما، قد لا يتوافق مع موقف الحزب، وأحياناً، يتعارض معه تماماً.

ومن الملاحظ أنه يتم تقييد فترة ولاية الرئيس الأميركي بدورتين رئاسيتين، ولكن، ليس هناك حد أقصى لفترة ولاية خدمة العضو في الكونغرس. وتبلغ نسبة إعادة انتخاب مرشحي الكونغرس نحو 98%. فأعضاء عديدون في الكونغرس يبقون في مناصبهم التشريعية فترات زمنية طويلة. وعلى سبيل المثال، السيناتور روبرت بيرد، عضو مجلس الشيوخ عن ولاية وست فيرجينيا (ديمقراطي)، عاصر في عمر خدمته في الكونغرس حرب فيتنام، والحرب الأهلية في لبنان، وانهيار الاتحاد السوفييتي، وغزو أميركا العراق.

وفي ضوء الجهود السياسية للحد من ظاهرة "إعادة الانتخاب" في الكونغرس، طرح أعضاء في مجلس الشيوخ عام 1995 "مشروع مجلس المواطنين"، لمحاولة تعديل الدستور الأميركي، لقصر مدة خدمة أعضاء المجلس على ست فترات لا غير، لكنه فشل في الحصول على الأصوات اللازمة.

وتعدّ "إعادة الانتخاب" جزءاً مهماً في النقاش المتعلق بهذه المناظرة التاريخية، حيث هناك اعتقاد سائد مفاده بأن الكونغرس يعاني من "الخمول الانتخابي"، بمعنى أن أعضاء الكونغرس لا يتغيّرون إلا بقدر بسيط في المدى القريب، ومن وجهة نظر أميركيين عديدين، تعكس تلك الظاهرة خللاً خطيراً في هيكل الديمقراطية الأميركية. ويتضخم حجم المشكلة، عندما نجد أن معظم الأسباب التي تساعد على استمرار بقاء أعضاء الكونغرس في مراكزهم شكلية، ليست معنية بالإرادة الشعبية، بل هي نتيجة مباشرة للعوائق المالية والحزبية التي تحكم مسار السياسة على حساب صوت الناخب.

ويتمتع "صاحب المنصب" بموارد مالية تفوق موارد "المرشح المتحدي". ويشير موقع أوبن سيكريتس Opensecrets.org إلى أن إجمالي الأموال التي أنفقها "المرشحون ممن يخدمون في الكونغرس" في انتخابات مجلس الشيوخ لعام 2006، على سبيل المثال، وصلت إلى 244 مليون دولار، مقارنة بـ 64 مليون دولار بالنسبة للمرشحين "الجدد" الذين يتم ترشحهم للمرة الأولى. أما المرشحون في انتخابات مجلس النواب للعام نفسه، فأنفقوا ما يفوق الـ 298 مليون دولار، وذلك الرقم جدير بالاعتبار، حيث إن المرشحين "الجدد" أنفقوا أقل من 62 مليوناً لحملاتهم الانتخابية المتواضعة. والسبب في هذه الفجوة الكبيرة في التمويل يرجع إلى الميزات التي يتمتع بها عضو الكونغرس الذي تم انتخابه أكثر من مرة، وأهم هذه الميزات لجنة الحملات الانتخابية البرلمانية، وهي لجنة قومية تابعة للحزب المنتمي إليه العضو، وتتخصص في جمع الأموال لمرشحي الحزب في الانتخابات البرلمانية، وعادة لا تدعم هذه اللجان المرشحين الذين يخوضون الانتخابات لأول مرة، وهذا يؤدي إلى تفاوت في توزيع الموارد المالية لصالح المرشح "العضو"، حيث إن الحزبين الكبيرين في الولايات المتحدة، الديمقراطي والجمهوري، لا ينفقان أموالاً كثيرة لدعم حملات المرشحين الجدد، لأن قيادة كل حزب على علم بأن أحكام التيار السياسي الأميركي تفضل المرشح "العضو" على المرشح الجديد، لأسباب منها: أن صاحب المنصب يتمتع بموارد إعلامية أفضل، فالمرشح "العضو في الكونغرس" يتمتع بظهور إعلامي أكبر من المرشحين الجدد. حيث يشاهدهم المشاهد الأميركي على شاشة التلفزيون باستمرار، وهم يرددون التصريحات الوطنية، والحديث عن أهمية الدفاع عن الوطن وحماية الشعب من الإرهاب العالمي. وذلك يعطي المرشح "العضو" ظهوراً إعلامياً مستمراً طوال السنة داخل دائرته، مقارنة بالظهور الإعلامي المتواضع الذي لا يحظى به المرشح "المتحدي" إلا خلال الأشهر القليلة التي تسبق الانتخابات.

ولا يراهن الحزب على "الحصان الخاسر"، أي لا يراهن الحزب بثقله على مثل هذه السباقات الخاسرة، لأن قيادات الأحزاب تفضل أن تعطي الأولوية لسباقات "الكرسي المفتوح"، أي الانتخابات التي لا تتمتع بمرشح "عضو"، ويحدث ذلك عند تقاعد صاحب "المنصب". ويتمثل السبب الأكثر أهمية في سياسة "البرملة" في الكونغرس. و"برملة الخنزير" مصطلح مستخدم في الساحة السياسية الأميركية، يشير إلى ممارسة شائعة بين أعضاء الكونغرس، تقوم على إغراء الناخبين بواسطة ما يسمى "لحم الخنزير"، وهو اختزال للتشريعات التي يدعمها العضو، ويحارب من أجل كسب التأييد اللازم لها داخل الكونغرس، بهدف توفير مشاريع تفيد المصالح والمؤسسات التابعة لدائرته، ترقباً لدور هذه المؤسسات والأفراد في حسم نتيجة الانتخابات المقبلة.

وتعد ظاهرة "إعادة الانتخاب" من وجوه ظاهرة الفساد المستشري في صلب النظام الانتخابي الأميركي، ولها عنصران، يتعلق أولهما بالفساد الانتخابي المالي غير المسبوق في تاريخ الولايات المتحدة، ولا في معظم الديمقراطيات الغربية. ويتعلق العنصر السلبي الثاني في انحطاط مستوى الحوار، حتى درجة الابتذال والغوغائية.

وكانت المحكمة الدستورية العليا قد أصدرت، في عامي 1976 و2010، قانونين شكّلا سبباً في تحويل الأطروحات السياسية إلى سباق على الفوز بأعلى مستوى من الإنفاق الإعلاني. وبالتالي، أصبح أعضاء الكونغرس وأعضاء في مجلس الشيوخ، ما عدا قلّة من الشرفاء منهم، معروضين للبيع كل سنتين.

ومن أكثر المجموعات السياسية اهتماماً بالشراء من "هذه السوق" اللوبي الأميركي-الإسرائيلي المعروف باسم "آيباك"، والذي بلغ من النجاح الحدّ الذي دفع رئيس الوزراء الإسرائيلي، بنيامين نتنياهو، بداية العام الجاري، إلى القول جهاراً أمام مناصريه في إسرائيل إنه لم يعد مهتماً بإقناع أوباما بوجهة نظره، لأنه هو ذاته (نتنياهو) الذي يحكم الكونغرس الأميركي.

وقد حولت هذه التطورات التي يشهدها النظام الانتخابي منذ 40 عاماً الولايات المتحدة إلى دولة دكتاتورية، أو الدولة التي تحكمها القلّة القليلة من كبار الأثرياء.

ويذكر، أن أصحاب الثروات من الأميركيين يضخّون مبالغ مالية طائلة في الانتخابات النيابية الحالية، كما لم يسبق لهم أن فعلوا في أية انتخابات سابقة، وفي حين يحظى الحزب الجمهوري بحصة الأسد، يحشد الديمقراطيون، بدورهم، الملايين، مجسّدين واقع أن الحزبين ليسا إلا أدوات سياسية في يد الأرستقراطية المالية.

وللحد من نفوذ "المال الانتخابي"، ثمة اعتقاد يفيد بأنه من خلال تعديل دستوري، يجب على الحكومة تمديد فترة ولاية أعضاء مجلس النواب إلى أربعة أعوام، وأعضاء مجلس الشيوخ إلى أربعة أو ثمانية أعوام، حتى يتم اختيار كل المسؤولين الاتحاديين المنتخبين في أثناء سنوات الحملة الانتخابية الرئاسية. وهذا سيخفف التعقيد المنهجي الذي يقيد الحكومة الاتحادية، ويقدم لأعضاء الكونغرس قدرة من تخصيص مزيد من الوقت والطاقة لشؤون الحكم، وليس الانتخابات.

ولإبطال الآثار السلبية لطول الفترات النيابية، يجب أن يصاحب هذا الإصلاح وضع حد أقصى لفترات التمثيل النيابي للفرد في الكونغرس، ليكون مثلاً 24 عاماً، وهو متوسط فترة ولاية عضو الكونغرس في الوقت الحالي. وهذا يوفر ما يكفي من الوقت للأعضاء، كي يكتسبوا خبرة، لكنه يقيد، أيضاً، آثار طول البقاء في المنصب، ويضمن ضخ دماء جديدة في النظام السياسي الأميركي.