هل يحل الجيش العراقي مجدداً؟

هل يحل الجيش العراقي مجدداً؟

07 يناير 2015
الصورة

عسكريون من الجيش العراقي والبشمركة في ديالى (19 نوفمبر/2014/الأناضول)

+ الخط -
حلت أمس الثلاثاء، السادس من يناير/ كانون الثاني الجاري، الذكرى 94 لتأسس الجيش العراقي، الجيش الذي حمل سجله مواقف ومعارك وبطولات وطنية وقومية مشرّفة يشهد بها ولها تاريخ أمتنا، من سنة تأسيسه عام 1921 وحتى عام نكبته الأولى عقب الاحتلال الأميركي للعراق عام 2003، بقرار حله من الحاكم المدني الاميركي السابق للعراق، بول بريمر. وهو قرار لم يكن مجرد إجراء وقائي من بريمر، بل كان قراراً مركزياً لإدارة الرئيس الأميركي السابق، جورج دبليو بوش، اتخذ قبل الغزو والاحتلال الأميركي بأكثر من سنتين، ومردّه أسباب كثيرة، يتعلق بعضها بالعقدة الإسرائيلية من الجيش العراقي، سواء في مرحلة العصابات الصهيونية التي ولجت مدناً فلسطينية، قبيل إنهاء الاحتلال البريطاني لها نهاية العقد الثالث من القرن الماضي، حيث واجهت قوات عراقية منتخبة ومحدودة هذه العصابات بملابس مدنية، وتصدت لمحاولات كثيرة منها لترهيب الفلسطينيين وترويعهم، ثم تطور الموقف لتكون القوات العراقية الضاربة القوة الحقيقة والموجعة في الجبهة الشرقية، بدءا من عام 1948 وحتى عام 1969. ولا تنسى إسرائيل أبداً دور الجيش العراقي في حرب 1973، والحروب التي خاضتها قطعاته بشراسة، لطرد القطعات الإسرائيلية من محيط دمشق، ومطاردتها إلى حدود جبل الشيخ، بما غيّر من مجرى الحرب تماماً في ذلك الوقت. وأثبتت الحرب العراقية الإيرانية، أيضاً، للعالم أن الجيش العراقي عقائدي عنيد ومنضبط، وقادر على تحويل الهزائم نصراً في معارك امتدت أكثر من ثماني سنوات، بما أوصله، في النهاية، إلى إجبار النظام في إيران على قبول قرار مجلس الأمن وقف إطلاق النار الذي رفضه طوال السنوات الثماني للحرب، وهو ما فسر بأنه انتصار بيّن للعراق في تلك الحرب، فكانت أهم نتائج هذا التفسير خروج جيش العراق بأهم وأخطر معنويات، يمكن أن توصف بها الجيوش؛ وهي روح النصر، الأمر الذي يجب أن لا يحتفظ به أي جيش عربي في المنطقة.
حل الجيش عام 2003، ورأى العالم تداعيات الموقف الأمني والعسكري في العراق، نتيجة هذا القرار الخطير جداً، ليس على العراق فحسب، بل على عموم المشرق العربي، وربما عموم الوطن العربي، في المحصلة النهائية التي كان الضعف والوهن أبرز سماتها، في الفترة التي أعقبت احتلال العراق وحتى يومنا هذا، ولإلغاء صورة الجيش الذي عرفه العراقيون والعرب ودول الإقليم.
بدأ العمل من أجل إعادة إنشاء جيش عراقي جديد، بقرار من بول بريمر نفسه، بعد ثلاثين يوماً من قرار حله الجيش العراقي الوطني؛ ففي 32 مايو/أيار 2003، أصدر قراراً بإعادة بناء وتشكيل الجيش الجديد، والذي مثّل فرصة نموذجية للقوى السياسية المهيمنة في العملية السياسية التي قدمت مع الاحتلال، لتثبيت ميليشياتها تحت عناوين عسكرية، فأكمل الحاكم المدني الأميركي بهذه الخطوة دق مسامير نعش هذا الجيش، فكان بديله هزيلاً، مؤدلجاً، قال عنه قاسم عطا، المتحدث باسم الجيش العراقي قوله إن "التدريب للجيش العراقي كان يستمر مدة 45 يوماً في ظروف ليست جيدة".
منذ عام 2003 وحتى اليوم، خرج الجيش العراقي من دائرة الشعب بقياسات الحماية والوطنية، وتحوّل أداة للاقتحامات والسيطرات والإذلال، وفق مسيرة طريق كانت في باطنها وفي ظاهرها طائفية وبامتياز، ما استدعى دخول محافظات عراقية كثيرة (ديالى، الأنبار، صلاح الدين، نينوى، وغيرها) في صدامات مسلحة معه، كان من أهم نتائجها زيادة الهوة اتساعاً بين هذه القوى الميليشياوية وقطاعات واسعة من شعب العراق، وبات العراق جبهات قتال مشتعلة، دمرت فيها مدن بكاملها وشرّد الملايين من البشر داخل وطنهم وخارجه.
في العاشر من يونيو/حزيران 2010، جاء الاختبار الحقيقي لعقيدة الجيش الذي أنشئ في مايو 2003 ووحدته ومهارته، فكانت هزيمة الموصل من دون قتال، ثم صلاح الدين، ثم مشارف بغداد التي بدأ العالم كله يستعد لخبر دخول الثوار لها بين ساعة وأخرى. ومن هنا تحديداً، يبدأ المشروع المكمّل للمشروع الأميركي في إنهاء الجيش العراقي، ذاك هو المشروع الإيراني الذي أشرف عليه، وما زال، رئيس الوزراء العراقي السابق، نوري المالكي؛ الذي ركب موجة انهيار قطعات جيشه، مستفيداً من سطوة اسم ورايات تنظيم الدولة الإسلامية، ليبدأ رحلة تفكيك هذا الجيش، على الرغم من ضآلته، من خلال مشروع "الحشد الشعبي" الطائفي، والمصمم في طهران بمباركة المرجع الشيعي الأعلى، علي السيستاني، بحجة مواجهة تنظيم الدولة الإسلامية المعادي "للشيعة"، بحسب وصف المالكي!
جاء رئيس الوزراء العراقي الجديد، حيدر العبادي، ليعترف بانهيار كامل للجيش العراقي، وضرورة بناء مؤسسات أمنية من جديد، تأخذ على عاتقها مسؤولية هزيمة "داعش"! وبدل
إعادة الروح المعنوية للفرق العراقية المنهارة، ودراسة أسباب تخاذلها العسكري، لجأ العبادي والساسة العراقيون، بعد التشاور مع حليفهم الإستراتيجي إيران، وكذلك الولايات المتحدة، وتحت تأثير وتضخيم الهالة الإعلامية عن تنظيم الدولة الإسلامية ودوره على أرض المعارك في شمال العراق العربي وغرب البلاد، لجأ هؤلاء الساسة إلى إنشاء أو دعم قوى مسلحة عديدة في العراق، منها مثلاً، قوات الحشد الشعبي، ثوار العشائر، البشمركة، الحرس الوطني..، كل هذه التسميات موجودة الآن وتفعّل يومياً، ويجري البحث في مواضيع تسليحها وتدريبها، من دون الحديث عن جيش العراق، وإعادة تأهيله وتدريبه ليكون القوة الوحيدة الحاضنة كل هذه التشكيلات التي يفصل بعضها عن بعض بعد طائفي أو قومي محدد.
وبحسب تقرير نشرته صحيفة "فايننشال تايمز"، لمراسلها في العراق، بورزو دراغي، يقدر الخبراء العسكريون الأميركيون أن نصف فرق الجيش العراقي تحتاج إلى إصلاح، وأن عملية الإصلاح هذه تحتاج إلى عامين أو ثلاثة أعوام. وفي شهادة أمام الكونغرس، قال الجنرال مارتن ديمبسي، رئيس هيئة الأركان الأميركية المشتركة، إن "جنود العراق يحتاجون إلى قيادات وبناء عسكري يجمعهم". وفي هذا إشارة إلى عدم وجود تواصل حقيقي بين قيادات الدولة ومنسوبي الجيش، أفضى إلى ما أفضى إليه. وإلى ذلك، يذهب المبعوث الخاص للأمم المتحدة في العراق، نيكولاي مالدينوف، حيث يرى أن العراقيين بحاجة "لإعادة بناء القوات المسلحة، وهم يحتاجون إلى فعل هذا بسرعة، ويحتاجون إلى دعم كبير، وعليهم الإجابة عن سؤال: من أجل ماذا يقاتلون؟".
وكل ما يجري تناوله من أحاديث وتحليلات عن الجيش العراقي الحالي تعني جيشاً تعداده أكثر من 350 ألف عسكري، جعلته القيادة السياسية للعراق أضحوكة جيوش العالم، بعدما جعلته يحتل المرتبة 58 من أصل أقوى 68 جيشاً في العالم لعام 2013، ثم ينحدر إلى مرتبات أدنى، نحو قعر القائمة، بعد هزائم الموصل وسواها، سعياً منها إلى جعل وجوده من عدمه سواء، وذاك هو ما يمكن أن يفضي إلى بناء قوى متعددة الولاءات الطائفية والعرقية؛ تقود إلى إضعاف وتفتيت العراق، وربما تقسيمه وفقاً لقدرات كل قوة مسلحة، شيعية أو سنيّة أو كردية.