هزيمة الحلم السوري

22 اغسطس 2020
الصورة
+ الخط -

في الأوقات العصيبة، والحروب من أقساها، يسير الوقت بأسرع من قدرتك على التعلم منه، تتغير طبيعة الوقت، وتصبح الأيام أطول بما لا يُقاس من تجربة الإنسان السابقة، ليست أطول بالساعات، إنما أطول بعمق التجربة الإنسانية واتساعها التي تندرج في الأزمان الكارثية التي تدخل البشر في تيه وضياع لا ينتهيان. لا أجانب الصواب إذا قلت إن السنوات التسع الأخيرة من حياتي في ظل الجحيم السوري، داخل سورية وخارجها، تفوق، في زخمها وكثافتها التاريخية، كل تجربتي الحياتية السابقة. أدخلتني هذه الكثافة في تيه وانتقالات وتحولات، لم أكن أتخيلها في أصعب كوابيسي السابقة. في التجربة السورية الراهنة فائضٌ من التراجيديا لا يمكن للكتابة، أي كتابة، أن تحيط بأبعاده كاملة، أو أن تتمثله وتعبر عن عمق الألم الإنساني الذي عانى منه الملايين من خلال الأعوام المنصرمة، خصوصاً وأن التجربة مستمرة، ولم تصل إلى نهايتها، ليمكن تأملها وتقييمها، هناك شيء "قيامي" خلال المظاهرات الاحتجاجية، وخلال الصراع المسلح، واليوم خلال الجوع والحاجة، جرى هذا كله ويجري في سورية في مأساة إنسانية صادمة.

شلل العالم وخذلانه السوريين جعلا النظام يشعر بأنه باق، وبسورية المفيدة التي على مقاسه

كان للحناجر التي كسرت "مملكة الصمت" الأسدية في مارس/ آذار 2011 وقع السحر، شيءٌ لا يصدّق يجري في سورية. هناك حناجر تيبست حبالها الصوتية، بفعل القمع الوحشي للأسد الأب الذي استأصل السياسة فعليًا من سورية، بتحطيمه حياة كل من اقترب منها معارضًا حكمه. ظهرت الأصوات الأولى المطالبة بالحرية كأنها هابطة من السماء، نجوم تتلألأ في سماء سورية التي طال ليلها. نحن الجيل الذي عاش وشبّ مع تجربة الرعب في الثمانينيات، كنا فرحين بجيل جديد، جاء من العدم، ومن خارج التجربة السياسية التقليدية للمعارضة التاريخية العاجزة، لا ليهزّ الساحة السياسية فحسب، بل، ليهزّ البلد والنظام بكل قوة أيضًا. جيل جاء متحررًا من كل المخاوف السياسية التي عانى منها العاملون في ساحةٍ سياسيةٍ عقيمةٍ تم خصيها، قانونها إما الخضوع لشروط الأسد التي تعدم السياسة، أو يكون مصيرك، بوصفك مختلفًا مع النظام، السجن سنوات طويلة خلف أرقامٍ لا تُبقي من إنسانيتك أي شيء. حرّك وعد الحرية كل الأحلام التي انتظرت طويلًا في سورية، إلى درجة شعر فيها جيلي بأنها ستنتظر إلى الأبد، كما وعد الجلاد في بقائه على صدر البلد، وأن خلاص البلد من نظام أمني، مخابراتي، عصاباتي، حلمٌ لا يمكن تحقيقه في ظل نظامٍ ممسكٍ بتلابيب البلد ومفاصله.

كان للحناجر التي كسرت "مملكة الصمت" الأسدية في مارس 2011 وقع السحر، شيءٌ لا يصدّق يجري في سورية

لم يعش الشباب السوري الذي صرخ بالحرية تجربة الرعب في الثمانينيات، كانوا متحرّرين منها، وكانوا متحرّرين من تجربةٍ سياسيةٍ بائسة للمعارضة، على الرغم من بطوليتها. بمعنى آخر، كانوا متحرّرين من القيود التي فرضها نظام استئثاري على الساحة السياسية السورية. مع إطاحة الرئيسين، التونسي بن علي والمصري حسني مبارك، بدا كل شيء ممكنًا في سورية، حتى الخلاص من حكم الأبد.

كانت للنظام استراتيجية أخرى في التعامل مع الاحتجاجات الشعبية، لم تكن السياسة جزءًا منها. أعاد إنتاج قديمه بتعميم مجزرة حماة في فبراير/ شباط 1982 على كل البلد، وهو تدمير البيئة الحاضنة للاحتجاجات على النظام، باعتبارها جزءًا من "مؤامرة كونية" على نظامه "الوطني". فأطلق العنان لآلة القتل خاصته، بإشراف أسوأ رجال الأمن في نظامه وأكثرهم إجرامًا. كانت الإستراتيجية الوحيدة للنظام تحويل حلم السوريين بالحرية إلى كابوس، وإغراق ناس البلد بالدم حتى يستسلموا.

كان من الطبيعي في هذا الوضع أن يشعر كل سوري بأن الموت والقهر يلاحقانه في كل مكان، بالبراميل والقذائف التي تسقط على رأسه، بالاعتقال على الحواجز، بعصابات المطالبة بالفدية، تلاحقانه في الأماكن التي تسيطر عليها القوى الظلامية.. وجد السوري المحاصر الفرار الخيار الوحيد أمامه، لم يكن هذا القرار سهلًا، فهو، في أحيانٍ كثيرة، عادل الموت الذي هرب منه. ومثل كل الفارّين، وجدت نفسي أغادر البلد، أو بالأصح أهرب منه، ولأن بقايا الحلم كانت لا تزال تعمل، كان الهروب إلى مكان قريب، وكانت هناك قناعة عند كثيرين بأن النظام راحلٌ بعد فترة وإن طالت، لكن هذه الفترة طالت أكثر مما توقع أكثر السوداويين. حتى النظام نفسه الذي رفع من البداية شعار "الأسد أو نحرق البلد" وجد نفسه يحرق البلد ويبقى جاثمًا على صدره من دون سقوط، وكأن ثمن سقوطه أغلى من أن يدمّر البلد وحده، كما أراد لنفسه.

النظام الذي رفع من البداية شعار "الأسد أو نحرق البلد" وجد نفسه يحرق البلد ويبقى جاثمًا على صدره من دون سقوط

شلل العالم وخذلانه السوريين جعلا النظام يشعر بأنه باق، وبسورية المفيدة التي على مقاسه. واليوم لديه الشعور بالنصر، على الرغم من كل الدمار الذي ألحقه بالبلد، وبالجوع الذي أوصل البلد إليه اليوم. في المقابل، هناك شعور بالهزيمة عند من حلموا بحرية سورية المقبلة، فوجدوا أن الظلام يزداد حلكةً، وأن البلد لم يعد بلدهم، وأنه لا بد من هجرةٍ أخرى، تذهب بهم أبعد عن الوطن الذي تحوّل إلى دمار مظلم والعيش فيه تحوّل إلى كابوس مرعب، فكانت أمواج الهجرة التي عملت أوروبا على وقفها باتفاقات عار مع تركيا، وببناء جدار عازل في وجه اللاجئين في وسط أوروبا. وهؤلاء على الرغم من معاناتهم المحظوظون بالنجاة من أدوات القتل الأسدية. أما أغلبية السوريين فبقوا هناك ضحايا عانوا الأمرّين تحت براميل الأسد المتفجرة، حيث توغلت آله القتل الأسدية في دمهم أكثر فأكثر، وأُغلقت طريق الهروب في وجوههم.

لم يعد البلد هو البلد، ولم يعد السوريون هم السوريون الذين أطلقوا حلم حريتهم الذي تحول إلى كابوس، وهذا الكابوس ذهب بهم إلى "التيه" الداخلي والخارجي الذي وزّعهم لاجئين داخل البلد وعلى العالم، وكانت هجرة أخرى إلى منافٍ جديدة.

نعم، يمكن هزيمة الأحلام، هذا هو الدرس الأقسى في التجربة السورية، وهو الذي جعلنا نذهب إلى منافٍ قاسية، حولتنا إلى نكراتٍ في مجتمعات نحن غرباء فيها.