نصيحة يوليوس قيصر للمالكي

نصيحة يوليوس قيصر للمالكي

24 مايو 2014
+ الخط -
سألت أصدقاء عرفوا جواد (نوري) المالكي عن قرب، في فترة لجوئه إلى كردستان، في منتصف التسعينيات، عن شخصيته، فكادت إجاباتهم أن تكون متطابقة. قالوا: كان عادياً ومتواضعاً، منطوياً، قليل الكلام، ويتجنب الدخول في أي نقاش أو سجال سياسي، ربما كي لا يكشف عن آرائه الحقيقية التي قد لا تعجب الآخرين، ولم يكن يتمتع بالجاذبية الشخصية، ولا بسرعة البديهة، ولا بأي من الملامح القيادية، أو الكاريزمية.
كيف تغير هذا الإنسان العادي المتواضع إلى إنسان آخر، متغطرس ونرجسي وانفعالي، وإلى حاكم مستبد، احتكر السلطات بيده، واستفرد بالقرارات المصيرية، وقمع صوت كل ناقد وناصح، كيف تحول إلى سيف مسلط على شعب العراق، وآلة للقمع والتصفيات الجسدية والمعنوية، وحوّل العراق ضيعة له ولأقاربه وحاشيته. لم أجد جواباً عند أصدقائي. ولفك لغز تحوّل المالكي، كان لا بد من الرجوع إلى البحوث النفسية والاجتماعية عن تأثير السلطة على الشخص غير المؤهل للقيادة، عندما يجد نفسه في قمة السلطة.
 كانت النتيجة مذهلة
أجرى علماء نفس واجتماع في جامعات غربية تجارب مختبرية عديدة على أشخاص عاديين، بإشراكهم في تجربة اسمها "لعبة الديكتاتور"، أوحوا إليهم أنهم أصبحوا يمتلكون قوة قاهرة، وبعد تقمصهم شخصية الديكتاتور، تحولوا إلى أشخاص آخرين تماماً، قساة متكبرين، يستمتعون بالعنف وبإيذاء الآخرين، وبقدرتهم على التحكم في مصائرهم.
ودرس هؤلاء العلماء، في السنوات القليلة الماضية، الانحراف النفسي المرضي لدى طغاة العصر (هتلر، ستالين، بينوشيه، بول بوت، شاوشيسكو، صدام حسين، القذافي، وغيرهم) وقارنوا بين سلوكهم وأفعالهم وتصرفاتهم، قبل تولي السلطة وبعدها، وأشبعوا المسألة دراسة وتحليلاً، وكشفوا خفايا "مرض السلطة". وسأحاول، وبتركيز شديد، الحديث عن أهم استنتاجات العلماء، عسى أن يدرك كل عراقي نزيه وشريف، وكل من لم يصب بلوثة الطائفية، مدى خطورة بقاء المالكي في سدة الحكم على مصائر العراق والعراقيين.
قالوا: الصفات القيادية للزعيم الكاريزمي من جاذبية، وحضور طاغ، وسحر شخصي وتأثير إيجابي على الآخرين صفات فطرية، تتحكم فيها (الجينات). والأشخاص الذين يتمتعون بهذه الصفات هم، في العادة، أشخاص لهم القدرة على تشخيص المشكلات وتحليلها وحلها، وتقدير المواقف ومواجهة التحديات بهدوء واتزان، واتخاذ القرارات الصحيحة، لمصلحة بلادهم ومستقبل شعوبهم. وهم في العادة وصلوا إلى الحكم في انتخابات حرة نزيهة، وفي اجواء ديمقراطية. أما الذين لا يتمتعون بهذه الصفات، ويجدون أنفسهم في سدة الحكم بالمصادفة، فإن تغيرات هيكلية وهرمونية تطرأ على أدمغتهم.

يقول الباحث أندي ياب من جامعة كولومبيا: عندما يجد شخص عادي نفسه في سدة الحكم، يشعر بالقوة التي تمنحه السلطة، ويخيل إليه أن في وسعه الآن التأثير في الآخرين، والتحكم في مصائرهم.
ويقول المؤرخ الانجليزي لورد أكتون (1834 - 1902): السلطة مفسدة، والسلطة المطلقة  مفسدة مطلقة. ويفسر الباحث جوي ماغي، من جامعة نيويورك، مقولة أكتون على نحو أعمق، فيقول: السلطة تمنح صاحبها مزايا كثيرة، وتكشف القناع عن طبيعته الذاتية وتحرره من القيود والضغوط الخارجية، فتتحرر ذاته، وتخرج إلى السطح، ويطلق لنفسه العنان من قيود الحياة. فالإنسان عندما يكون خارج الحكم يعيش في إطار الأعراف الاجتماعية، ففي مكان العمل، مثلاً، يتعرض لضغوط رؤسائه، ويضطر للتكيف مع زملائه، ومع من يتعامل معهم، ولكن، عندما يحصل على السلطة، يتحرر من هذه الضغوط، ومن قيود كثيرة، كان مضطراً إلى عدم تجاوزها.
ويتجلى هذا التحرر بعدة أشكال، فقبل كل شيء، لا يقيم صاحب السلطة المستبدة وزناً لآراء الآخرين، ولا يأبه بنصائحهم، ويتخذ قرارات خطيرة، من دون التفكير في المخاطر المحتملة التي قد تصادفه، في طريق الوصول إلى الأهداف التي يقصدها، بسبب ارتفاع مستوى هرمون الهيمنة (تستوستيرون)، وانخفاض مستوى هرمون الكورتيزول (هرمون الإجهاد) لديه، فتنطلق قواه المكبوتة من عقالها، ويتحرر سلوكه وكذلك تصرفاته من الخوف، وتفكيره من إدراك عواقب الأمور. وثبت، من الناحية البيولوجية، أن نشوة السلطة مشابهة تماماً للتي يحس بها من يتناول (الكوكايين)، حيث يستهين بالصعوبات والمخاطر، ويخيل اليه أنه حر وطليق وقادر على تخطّي كل الصعوبات. ومثل هذا الحاكم يعتاد على السلطة، ويعشقها ويدمنها، ويحاول التمسك بها إلى آخر نفَس، كما مدمن (الكوكايين)، وهو على استعداد لارتكاب أي جريمة للاحتفاظ بالسلطة.
 السلطة في يد إنسان يعاني من مركب النقص تنطوي على مخاطر، أهمها إمكانية إنزال العقاب بالآخرين. وثنائية العقاب والعفو، والتحكم بمصائر الآخرين أمر مغر كثيراً، وإذا كان الحاكم يستمتع بهذا، فإن البلد يتعرض إلى مآسٍ وكوارث لا تنتهي.
 ما الذي يدفع مثل هؤلاء المغامرين إلى التكالب على السلطة بهوَس مرَضي؟ إنه، قبل كل شيء، حب الذات والطموح، وأحياناً الرغبة في الإثراء.
وقد لاحظ بعض علماء النفس أن مثل هذه السلطة المنفلتة من عقالها تقترن، دائماً، بالنفاق، فالحاكم يدّعي النزاهة، لكنه لا يفوّت فرصة لاستغلال نفوذه لمصلحته الشخصية، فهو يأخذ كل ما يرغب فيه، لأن في وسعه أن يفعل ذلك، من دون الخشية من المحاسبة أو العقاب، وعقله الباطن يوحي إليه أن له الحق في هذا التصرف.
 ويعلمنا التاريخ أن ما من مغامر، أو مدمن سلطة، استطاع تحقيق التقدم لبلاده، والسعادة لشعبه، والسبب أن نمط الحياة الذي يتصوره الحاكم المغامر والمستقبل الذي يحلم به لبلده، يختلفان عما يتطلع اليه شعبه. وهذا مرعب حقاً، لأن الحاكم المغامر يبدأ بفرض الواقع الذي يتخيله بالقوة، بالقمع والاضطهاد وتصفية المعارضين، على الرغم من معارضة أغلبية الشعب أحلامه المريضة.
 كان الامبراطور يوليوس قيصر حريصاً على أن يكون إلى جانبه رجل حكيم، يردد على مسامعه يومياً: تذكّر أنك مجرد إنسان، لا أكثر. هل بين مستشاري المالكي والمقربين منه رجل حكيم وجريء، قادر على أن يقول له، ولو مرة: يا مالكي تذكر أنك مجرد إنسان لا أكثر.
 
 
 
 
1B47CA75-D718-4EBF-A5AC-2E98440902F3
جودت هوشيار (العراق)