نصر الله والخطاب التسويفي

14 يوليو 2020
الصورة

يواصل الوضع اللبناني العام انحداره نحو قاعٍ بلا نهاية، وبسرعةٍ جنونيةٍ مقلقةٍ ومخيفة، وتتسارع في أثناء ذلك مظاهر البؤس والفقر والعجز الفردي عن تلبية أبسط الحاجات الأساسية، كالطعام والاستشفاء والحاجات اليومية، والتي تمثل أسبابا كافيةً لتصاعد (واستمرار) الغضب الشعبي المنفجر في وجه كامل المنظومة الطائفية الفاسدة، من دون أي تمييز بين مكوناتها السياسية، وهو ما يثير قلق المنظومة الحاكمة ورعبها، ويدفعها إلى تصعيد إجراءاتها القمعية والاستبدادية تجاه اللبنانيين عموما؛ بصورةٍ رسميةٍ أحيانا؛ وبصورةٍ غير رسميةٍ في أحيان أخرى. لنشهد عشرات وربما مئات الاستدعاءات الأمنية لبعض الناشطين على خلفية منشورات فيسبوكية ناقدة فساد المنظومة الحاكمة، ولنرى اعتداءات جسدية على المتظاهرين من الأجهزة الأمنية، وزعران القوى المسيطرة، من دون أي رادع قانوني أو سياسي، بل على العكس يسهل تتبع عشرات التصريحات السياسية المحرّضة على استخدام العنف الجسدي تجاه المتظاهرين من ساسة لبنان، من مختلف الملل والطوائف والقوى السياسية.

حزب الله  وأمينه العام مصرّان على تكرار الادّعاءات نفسها التي تنكر انخراط الحزب بالشأن الداخلي، على اعتباره حزبا مقاوما فقط

كما تحثّ القوى السياسية الطائفية اللبنانية الخطى باتجاه لعبتها المفضلة، القائمة على إلقاء مسؤولية الأوضاع على الآخر طائفيا، محاولة وسم الاحتجاجات بالطائفية، ومدّعية أنها تستهدف فئة أو مجموعة طائفية بعينها، على أمل أن يشقّ ذلك الصف الثوري، أو الصف الشعبي المحتج وفق اصطفاف طائفي، ما يسهل احتواءه أو قمعه لاحقا من القوى الطائفية المسيطرة ذاتها. وذلك كله بغرض تنصل القوى الطائفية اللبنانية من تحمّل مسؤوليتها المشتركة في تدمير الاقتصاد اللبناني، عبر نهب المال العام، وتدمير البنية الاقتصادية الإنتاجية الصناعية والزراعية، وتهريب أموال كبار المودعين إلى الخارج، وغض الطرف عن عمليات التهريب الممنهجة التي تراكم المال الشخصي على حساب خزينة الدولة، بالإضافة إلى مئات الوسائل والأساليب الأخرى. لذا نجدها متماسكةً في تصدّيها لمطالب المحتجين المشروعة، كإلغاء النظام الطائفي، سياسيا ومدنيا، ومتابعة ملفات الفساد العديدة قضائيا وماليا، واستعادة الأموال المنهوبة والمهرّبة إلى الخارج، من دون خجل، بل يدافعون بتبجّح فج عن حماية كامل المنظومة الحاكمة فرديا وبنيويا، وفي مقدمتهم حزب الله. إذ لم يدع الأمين العام لحزب الله؛ حسن نصر الله؛ أي فرصةٍ للتعبير عن دعمه المنظومة الحاكمة الحالية، وحمايته لها، بشكل فردي وحزبي، كحماية رئيس الجمهورية ميشال عون، ورئيس المجلس النيابي نبيه بري، بل وحماية رئيس الوزراء السابق سعد الحريري، الذي أمل الحزب سابقا في بقائه رئيسا للوزراء في هذه المرحلة الحرجة التي تواجه قوى السلطة مجتمعة. بيد أن الحريري آثر الخروج والهروب من واجهة الصورة السلطوية شكليا فقط، عبر استقالته من منصبه الرسمي؛ رئيسا للوزراء؛ كي يدافع عن منظومة الفساد والطائفية من خارج الصورة السلطوية الرسمية، معتقدا أنه قد يستفيد بذلك من الغضب الشعبي، لتحسين موقعه السلطوي مستقبلا.

لم يدع نصر الله أي فرصةٍ للتعبير عن دعمه المنظومة الحاكمة الحالية، وحمايته لها، بشكل فردي وحزبي

بالطبع، ليس الغرض الآن البحث في أسباب استقالة الحريري، فقد مضى عليها أشهر، بقدر ما يعنينا تفنيد ألاعيب قوى السلطة التي تحاول إقحام التحرّكات الاحتجاجية في تفاصيل تنافس قوى السلطة فيما بينها. أي تصارع سعد الحريري مع حسن نصر الله أو سمير جعجع مع عون أو وليد جنبلاط وطلال أرسلان، أو بين كتلتين مستعادتيْن من ماضٍ سحيقٍ كان يطلق عليهما 8 آذار و14 آذار، فقد طويت صفحة هذه الثنائية منذ هيمنة حزب الله على السلطة، ما انعكس في التوازنات السياسية اللاحقة، من خلال سيطرة حلفاء الحزب على أهم مفاصل الدولة برئاساتها الثلاث، وحجم الحصص الوزارية ونوعيتها، ليسيطر الحزب، عبر حلفائه الطائفيين الأبرز، على جميع مظاهر السيادة السياسية والميدانية. لكن وعلى الرغم من ذلك ما زال الحزب وأمينه مصرّيْن على تكرار الادّعاءات الساذجة نفسها التي تنكر انخراط الحزب بالشأن الداخلي، على اعتباره حزبا مقاوما فقط، تبريرا أو تبرئةً له من قضايا الفساد، ومن المسؤولية الأخلاقية والسياسية عن حال لبنان اليوم، ومحاولة لإخفاء دور الحزب في حماية المنظومة السلطوية الطائفية والفاسدة تاريخيا وراهنا. وهو الخطاب الذي بدأ جمهور الحزب أو بعض مناصريه يتململون منه، ويعبّرون عن استنكارهم له، من دون أن يرقى غضبهم واستنكارهم إلى مرحلة نقد الحزب، بشكل جدي وصارم وصريح ومباشر، نتيجة عوامل عديدة، منها الخوف من زعران الحزب، وبحكم خضوعهم لتأثير بروباغندا الحزب الإعلامية التي تصر على تصوير كل ما يحدث في المنطقة صراعا بين تيارين رئيسيين، المقاومة والاستسلام.

إلى أي مدىً سوف يتمكّن الحزب من المضي في تحريف الحقائق والوقائع، ومن التهرّب من تحمل مسؤولياته الأخلاقية والسياسية والقانونية؟

إلى أي مدىً سوف يتمكّن الحزب من المضي في تحريف الحقائق والوقائع، ومن التهرّب من تحمل مسؤولياته الأخلاقية والسياسية والقانونية عن الانتهاكات الفردية والجماعية التي ارتكبها باسم المقاومة داخل لبنان وخارجه؟ لقد أسقط الحزب، بسياساته العنجهية، أهم أوراقه السحرية، وهو ما انعكس في خطابات أمينه العام، نصر الله الفارغة والفاقدة أي منطق، والتي لا تلامس الحد الأدنى من مطالب اللبنانيين، بمن فيهم جمهوره الطائفي. بل تؤدّي هذه الخطابات اليوم إلى خسارة الحزب جزءا مهما من قاعدته الشعبية بشكل متسارع غير معهود، لأنها تستغبي المتابع أو المهتم بالخطاب، وتسوّف الحقائق، وتعمل على تحريفها، حتى لو كانت واضحة وضوح الشمس. ومنها تسويفه الاقتصادي أخيرا، والذي وجد حلا عبقريا لأزمة لبنان الاقتصادية، حلاً يحمّل المواطن مسؤولية انهيار إنتاج لبنان الصناعي والزراعي، ويبرئ وزراء الحزب وحركة أمل الذين أداروا وزارتي الصناعة والزراعة منذ عام 2008، ويحصر دور الدولة في تسويق الإنتاج إن بادر اللبنانيون إليه، فلا أهمية للتخطيط الاقتصادي والبنية التحتية والقروض الاستثمارية والمناخ القانوني والأمني، ولا حاجة لتوفير المواد الأولية ومصادر الطاقة الرئيسية النفطية والكهربائية والمائية. وطبعا لا ضرورة لتأمين حاجات المواطنين الأساسية اليومية الآن، بل على اللبنانيين الصبر والتحمّل حتى تطرح الأرض ثمارها، ويطرح المصنع سلعه، كي يأكل اللبنانيون مما زرعوا ويلبسوا مما صنعوا، كما دعاهم جبران خليل جبران قبل أن يستعيرها منه نصر الله. طبعا، لن نجد في العالم أجمع خطة اقتصادية جهنمية كالتي أعلنها نصر الله، عمادها وحاملها ومنفذها الشعب، من دون أي حاجة للحكومة أو الدولة أو الوزارة، وهو ما يذكّر بصديقه العنصري الحذق، وزير خارجية لبنان الأسبق، جبران باسيل، الذي أراد أن يعلم العالم كيف يدار البلد من دون موازنة!! والذي يدفع اللبنانيون ثمنه اليوم.