نبع النفاق

27 أكتوبر 2019
الصورة
+ الخط -
على الرغم من الاعتراضات الكبيرة التي أبدتها حكومات دول غربية، خصوصا الأوروبية منها، وغضب أعضاء الكونغرس الأميركي من العملية العسكرية التركية شمالي سورية، والتي ترجمت إلى قوانين لفرض عقوبات على تركيا، قبل إلغائها لاحقا، إلا أن أنقرة لم تبال بهذا الغضب، وأصرّت على مواصلة العملية، ضاربة بالاعتراضات عرض الحائط، قبل الوصول إلى اتفاق مع الولايات المتحدة، في مباحثات نائب الرئيس الأميركي مايك بنس في أنقرة مع الرئيس التركي، أردوغان.
حتى قبل تلك العملية، تواصل تركيا عمليات التنقيب عن الغاز شرق المتوسط، بدعوى أن المنطقة تتبع المياه الإقليمية لجمهورية شمال قبرص التي لا تعترف بها أي دولة سوى تركيا، مثيرة بذلك غضب قبرص اليونانية، المعترف بها دوليا، والاتحاد الأوروبي. وعلى الرغم من فرض الاتحاد عقوباتٍ بحق تركيا بسبب عمليات التنقيب، لم تهتم أنقرة بذلك وتواصل التنقيب، بل زادت من وتيرة العمليات، ومن عدد السفن المشاركة فيها.
يثير هذان الملفان، وملفات أخرى، قلقا لدى محللين، بسبب أن تلك الإدانات الدولية بحق تركيا 
تظهرها وكأنها معزولة أو منبوذة على مستوى العالم، وأن ذلك ليس في صالح أنقرة، بل ربما يشير إلى فشل القيادة السياسية التركية في استمالة دول العالم لتبنّي أجندتها وتأييد إجراءاتها، كما أن دولا قليلة أبدت تفهمها العملية العسكرية التركية في سورية، مثل قطر وباكستان والمجر، فيما تشهد مواقف دول أخرى تذبذبا واضحا، حتى روسيا التي تعتبر حليفا وثيقا لتركيا في الوقت الحالي. وتحدث بعضهم عن مميزات سياسة "صفر مشكلات" المنسوبة إلى رئيس الوزراء التركي السابق، أحمد داود أوغلو، وعن حاجة تركيا لاتباع تلك السياسة حاليا للتقليل من خصومها والإكثار من حلفائها.
ولكن هناك وجهاً آخر لتلك الرؤية، يعتمد على حوادث عديدة شهدتها المنطقة أخيرا. في سورية مثلا، تدخلت روسيا بكل قوتها لمساندة النظام، وارتكبت الطائرات الروسية وبراميل النظام المتفجرة مئات المجازر بحق المدنيين، في حلب والغوطة ودرعا وخان شيخون وغيرها، منها ثلاث مجازر كيماوية موثقة بكل الأدلة الممكنة، أعوام 2013 في الغوطة، و2017 و2018 في خان شيخون. وعلى الرغم من بشاعة الصور والفيديوهات والشهادات التي قدمت، وعلى الرغم من عشرات الإدانات الدولية، لم تهتز شعرة واحدة في رأس الرئيس الروسي بوتين وحلفائه في طهران ودمشق، وباتوا الآن قاب قوسين أو أدنى من تحقيق كامل أهدافهم في سورية.
القيادة السياسية التركية نفسها شاهدة على حادث آخر وقع على أراضيها، يمثل نموذجا لنفاق ما يسمّى المجتمع الدولي، وازدواجيته وانحطاطه، وهو مقتل الصحافي والكاتب السعودي، جمال خاشقجي، داخل قنصلية بلاده في إسطنبول. على الرغم من الأدلة الواضحة على تورّط القيادة السعودية في الجريمة، وعلى الرغم من تحرّك أعضاء الكونغرس ووسائل الإعلام العالمية للضغط على إدارة الرئيس الأميركي، ترامب، لاتخاذ موقف صارم، تمخض العالم فولد عقوباتٍ هزلية بحق مسؤولين سعوديين، لم يكن لهم أي دور سوى تنفيذ الأوامر الموكلة إليهم، شملت منع دخولهم إلى الولايات المتحدة ودول أوروبا، وليعود ولي العهد السعودي، محمد بن سلمان، إلى التعامل مع العالم، من موقع أكثر قوة، وكأن شيئا لم يكن. وما زالت محاكمة القتلة تراوح مكانها من دون أي جديد، مع الاكتفاء بتقديم بعض المنفذين كبش فداء، على الرغم من أن تركيا سارت في طريق الكشف عن تفاصيل القضية حتى نهايته، وطالبت مرّاتٍ بتحقيق العدالة ومعاقبة الجناة ومن أمرهم بذلك، أو "من أسفل السلم إلى أعلاه" بتعبير الرئيس أردوغان، لكنها وجدت نفسها، في النهاية، أمام موقفٍ صعب، مع استمرار تأييد ترامب بن سلمان، وارتداد القضية عليها بحملات إعلامية وسياسية سعودية، وخطط لاستهدافها وإضعافها ودعم خصومها في الداخل والخارج، مثل دعم أكراد سورية وقبرص والمعارضة التركية، وهي حملات ما زالت تعمل.
وغير بعيد عن ذلك، لدينا الحالة الليبية، بعدما تحرّك قائد مليشيات الشرق، خليفة حفتر، للسيطرة على العاصمة طرابلس، فيما الحكومة الليبية فيها المعترف بها دوليا، وعلى الرغم من وجود خطة للأمم المتحدة لعقد مؤتمر سياسي يجمع الفرقاء الليبيين لحل الأزمة السياسية. لم يهتم حفتر بذلك كله، معتمدا على حلفائه الإقليميين في مصر والسعودية والإمارات، وحلفائه الدوليين في موسكو وباريس التي تذرف الدموع الآن خوفا على المدنيين الذين قد يسقطون ضحايا للعملية العسكرية التركية، على الرغم من أن فرنسا عضو كذلك في التحالف الدولي لمحاربة تنظيم الدولة الإسلامية (داعش)، التحالف الذي اعترف في مايو/ أيار الماضي بقتل أكثر من 1300 مدني "بطريق الخطأ" في سورية والعراق نتيجة غاراته الجوية.
وحتى في اليمن، امتلكت طائرات سلاح الجو الإماراتي الجرأة لقصف قوات الحكومة الشرعية، وأوقعت مئات القتلى والجرحى، فضلا عن آلاف المدنيين اليمنيين الذين سقطوا نتيجة غارات 
التحالف السعودي الإماراتي طوال الأعوام الأربعة الماضية. ومع ذلك، يستقبل قادة السعودية والإمارات استقبال الفاتحين في الدول الغربية، بسبب أموالهم الطائلة، واستثماراتهم في تلك البلدان، والأسلحة التي يشترونها بمئات مليارات الدولارات.
تثبت هذه الحوادث وغيرها الكثير أن كل تلك الإدانات الدولية جعجعة بلا طحين، وليس لها أي قيمة تذكر. بل ربما كان ذلك بديهيا في السياسة الدولية، حان وقت التذكير به. وربما تكون القيادة التركية قد وضعت في اعتبارها تلك الحوادث قبل اتخاذها قرار التحرّك لتأمين حدودها، بعد تجاهل طويل ومماطلة مستمرة من الولايات المتحدة في التعامل مع مخاوفها على الحدود مع سورية بجدية، مع الإشارة بالطبع إلى وجود مخاوف حقيقية من تلك العملية، خصوصا فيما يتعلق بسقوط ضحايا من المدنيين، ونزوح السكان من قراهم ومدنهم، وغيرها من القضايا الإنسانية. ولكن ما حدث أن تركيا نجحت، بشكل كبير، في فرض رؤيتها حتى الآن في شمال سورية، وكرّستها في اتفاق وقف إطلاق النار مع الولايات المتحدة، والذي يقضي بانسحاب المقاتلين الأكراد من كامل الحدود مع تركيا حتى عمق 32 كيلومترا، وهو الهدف نفسه الذي وضعته أنقرة عند بدء عمليتها العسكرية، لتحقق بذلك الاتفاق، إن طبق على أكمل وجه، ما لم تحققه بالحرب التي كان يمكن أن توقع ضحايا أكثر بكثير. وحتى لو لم يطبق ذلك الاتفاق بشكل أو بآخر، أو تم تطبيقه جزئيا، فإن تركيا أثبتت حقها في التدخل عسكريا لفرض تنفيذ الاتفاق بالقوة، مستندةً، هذه المرّة، إلى شرعية دبلوماسية. أما بخصوص أوروبا، فقد أثبتت من أنها أضعف من أن تؤثر في أي ملف، سواء الملف السوري أو ملف الغاز، ولن تؤثر كثيرا بأي عقوبات على أنقرة التي وعت الدرس جيدا، أو كما قال أردوغان: اقتلعنا شوكنا بأيدينا.