مهرجان "حومتنا فنانة" في تونس: سنة ثامنة من النجاح

21 مايو 2019
الصورة
كل العروض التي يقدمها المهرجان مفتوحة مجاناً للجمهور (فيسبوك)
+ الخط -
يُعد مهرجان "حومتنا فنانة" نفياً للمقولة التي تعتبر الفن والثقافة امتيازاً طبقياً وصناعةً محصورة في فئة معينة، أو لاعتقاد أن الفن الملتزم حكر على نخبة معينة من دون سواها. "حومتنا فنانة" هي فكرة لمجموعة من الشباب التونسيين الذين آمنوا بحق الهامش في الثقافة والفن والموسيقى. ورغم شح الموارد والتضييقات، عادت التجربة هذه السنة لتطل مجدداً في أزقة منطقة العمران الأعلى، المتاخمة لأكثر الأحياء الشعبية في تونس كثافة وخطورة، وتقام سهرات رمضانية في إطار المهرجان مجاناً، مُتاح للجميع حضور فعالياته. تحظى التظاهرة، كعادتها، بتغطية إعلامية هامة تعادل تلك التي تحظى بها المهرجانات الرسمية الكبيرة. وما يميز هذا الموعد الثقافي السنوي، علاوة على مجانيته وتطوع شباب فضاء "مسار للفنون" للإعداد له وتنظيمه، هو ذلك الحضور المبهر للجماهير من الأحياء المتاخمة، ومشهد المنازل المجاورة له وهي تعجّ بالمتفرجين في الأبواب والشبابيك والأسطح، وانتظار أطفال الحي لهذا الموعد السنوي، خلال شهر رمضان.
ولعل سهرة افتتاح المهرجان، في السابع عشر من الشهر الجاري، التي أحياها الفنان اللبناني خالد الهبر وفرقته، أبرز إثبات على أن للهامش أيضا الحق والقدرة معاً على تذوّق الفن بكل تعبيراته وتلقّي رسائله.
ساعتان من عرض الهبر مرّتا تحت تصفيق الجمهور وترديده للأغاني؛ "عائد إلى حيفا" و"أبانا الذي في السما" و"شارع الحمرا". ورغم أنها أغان يستمع إليها الجمهور لأول مرة باستثناء قلة قليلة، فإنها لم تبدُ غريبة عنه لحناً ولا معنى، بل شدت مئات المتفرجين حتى آخر الحفل، وفتحت الباب نحو تساؤلات عن فن آخر ممكن بعيداً عن فوضى النوتات الموسيقية والمعاني التي تقتحم آذانهم يومياً عبر البث التلفزيوني والإذاعي. ويفتح "حومتنا فنانة" أيضا قناة مباشرة مع الجمهور، ليصافحه الشيخ إمام عيسى عبر فرقة أحباء الشيخ إمام التي انبثقت داخل فضاء مسار للفنون، وبرمجت في هذا الإطار عرضاً للفرقة سيُقام خلال الأيام المقبلة، وبرمجت أيضاً عروضاً لفرق الفن البديل، على غرار "ميعاد" ومجموعة إيمان خياطي ومجموعة ياسر الجرادي.
إلى جانب ذلك، تحضر الدبكة السورية في عرض من المقرّر إقامته الأسبوع المقبل. بطبيعة الحال، للتراث الشعبي التونسي أيضا فسحة من العروض من خلال حفل "طبال قرقنة" (جنوب شرق) وعرض للأغنية الكافية (شمال غرب البلاد) وعرض للفداوي (الحكواتي) العروسي الزبيدي.
من جهتها، تؤكد منسقة فضاء مسار للفنون، نجلاء الجريدي، في حديث إلى "العربي الجديد"، أن "حومتنا فنانة"، الذي يقام للسنة الثامنة على التوالي، أصبح عادة ترسخت في أرجاء الحي؛ فلم يعد ملكاً لفضاء مسار، بل إن الجمهور هو من يقرّر إقامته من عدمها، إذ أصبح ملك الحي ومطلب أبنائه الذين يقرعون أبواب الفضاء ليسألوا عن ميعاد انطلاقه والسهرات المبرمجة فيه. يُعد ذلك دفعا كبيرا للمشرفين على الفضاء الذين يعملون ضمن الموارد المتاحة، لكي لا يتخلّفوا عن تقديم بعض من الفن والبهجة للجمهور.
لا يقبل أبناء الفضاء أن تصبح الفكرة التي يسعون إلى تطبيقها، وهي "الفن للجميع"، من دون قيد أو شرط أو تفرقة طبقية أو فئوية، خاضعةً إلى إجراءات معقدة في لجان الدعم الثقافية التابعة للوزارة، والتي تسند الدعم المالي للمهرجانات من دون أن تتأكد من مدى تأثيرها على الجمهور ومدى إشعاعها. وبصرف النظر عن كون المهرجان لم يحصل على دعم الوزارة، فإن طرق التمويل المبتكرة من مسيريه آتت أكلها، من بينها اقتناء الجمهور طواعية لقمصان كتب عليها "حومتنا فنانة"، وإقدام منظمات عريقة على دعمه، ومن بينها الاتحاد العام التونسي للشغل. وما يجمع الممولين هو المراهنة على التجربة حتى لا تجهضها البيروقراطية الإدارية المنحازة إلى ثقافة الصالونات والفن التجاري.

المساهمون