من اختبار السلاح إلى اختبار الإرادة

من اختبار السلاح إلى اختبار الإرادة

21 يوليو 2014
الصورة

منزل إسرائيلي أصابه صاروخ للمقاومة (يوليو/2014/أ.ف.ب)

+ الخط -

ثمّة ثلاث مفاجآت غيّرت الحسابات في معركة (العصف المأكول): نجاح صواريخ المقاومة في اختراق منظومة القبّة الحديديّة، والوصول إلى تل أبيب والقدس وديمونة وإيلات وحيفا، وصولاً إلى نهاريا في أقصى شمال فلسطين؛ ونجاح الضفادع البشريّة التابعة لكتائب القسّام في اقتحام قاعدة زيكيم العسكريّة (15 كيلومترًا شمال غزّة)، من جهة البحر؛ ونجاح ثلاث طائرات بلا طيّار، من صنع حماس، في التحليق لأوّل مرّة في سماء فلسطين المحتلّة.

هذه النجاحات حوّلت المعركة من كونها اختبارًا لقوّة السلاح إلى كونها اختبارًا لقوّة الإرادة، حيث صار بوسع الضحيّة أن تتفوّق على الرغم من ضعفها، وأن تبني احتياطيًّا ضخمًا من المقاومة للدفاع عن نفسها.   

وفيما كانت إسرائيل تفشل، المرّة تلو الأخرى، في اختبار السلاح، كانت المقاومة الفلسطينيّة تنجح، المرّة تلو الأخرى، في اختبار الإرادة، على الرغم من كلّ محاولات التثبيط الّتي يقوم بها مفاوضو السلطة البواسل، وأبواق النظام الرسميّ العربيّ، والمتخاذلون، وأساتذة اليأس من السياسيّين والمثقّفين وأيتام الأيديولوجيات الميّتة؛ ولم تكن كلّ اختبارات السلاح التي جرّتنا إليها إسرائيل في ما مضى تكفي لصنع نصر حقيقيّ واحد لها.

لكنّ المقاومة بدت، في المقابل، واهنة وطفوليّة واستعراضيّة وغير مقنعة، وذلك ما وفّر لبعض (الثوّار) الذريعة للتخلّي عن خيار (الكفاح المسلّح)، والجنوح إلى خيار(السلام)، الّذي كان أكثر وهنًا ووهمًا وسذاجة، والذي أدّى إلى استنزاف الإرادة ورأس المال المعنويّ الفلسطينيّ، في مفاوضات عقيمة، أفضت إلى الفوضى والإحباط وفقدان المعنى.

ومن الرصاص المصبوب/ الفرقان في  2009، إلى عمود السحاب/ حجارة السجّيل في 2012، إلى الجرف الصامد/ العصف المأكول في 2014، كانت التسميات الإسرائيليّة تعكس تراجعًا في الدلالة، من ثقل الرصاص وشدّته، إلى خفّة السحاب وهشاشته، ثمّ إلى ضعف الجرف وقابليّته للانهيار؛ فيما كانت التسميات الفلسطينيّة تعكس تطوّرًا في الدلالة، من تمييز الحقّ عن الباطل، إلى ثورة الحقّ على الباطل، ثمّ إلى انتصار الحقّ على الباطل.

والملفت للنظر أنّ مرجعيّة التسمية دينيّة لدى كلّ من الطرفين، وأنّ منطق التسمية قائم على ثنائيّة (القوّة/ الضعف) لدى الإسرائيليّ، فيما هو قائم على ثنائيّة (الحقّ/ الباطل) لدى الفلسطينيّ. المشهد، إذن، كما هو، فالإسرائيليّ يلجأ إلى سلاحه، بينما يلجأ الفلسطينيّ إلى إرادته. لكنّ عمليّة العصف المأكول كشفت لنا عن مستوى جديد من مستويات الصراع؛ فحماس التي حملت بطّيختي المقاومة والسلطة في يد واحدة، واختلفت مع سلطة أوسلو والمتحالفين معها من فصائل اليسار، وعانت من حصار العدوّ الإسرائيليّ والشقيق المصريّ والعربيّ في آن، ها هي ذي تفاجئ الجميع بأنّها كانت تعمل بصمت على (تحرير سلاحها) من خلال اعتمادها الكلّيّ على الذات في إنتاجه وتطويره.

لقد اعترف مسؤول العلاقات الخارجيّة في حماس، أسامة حمدان، بأنّ كلّ ما استخدمته حماس من أسلحة، في معركتها الأخيرة، صنع في غزّة بأيدٍ غزّيّة ومن دون مساعدة من

أحد.

وتبجّح أنصار النظام الأسديّ كثيرًا بأنّ جزءًا من أسلحة حماس سوريّ المصدر، للتدليل على أنّ للنظام، الذي تخلّت حماس عن التحالف معه، دورًا في المعركة، لكن ذلك لا أساس له.

أخطر ما في الأمر أنّ تلك الصواريخ البدائيّة الكاريكاتوريّة، الّتي كانت تصنع في ورشات الحدادة بمدى لا يتجاوز خمسة كيلومترات، قد تطوّرت لتصبح قادرة على اختراق القبّة الحديديّة، والوصول إلى مدى يتجاوز 150 كيلومترًا، وإصابة الهدف بدقّة أعلى. ذلك يعني أنّها لم تعد صواريخ عبثيّة ـ كما كان يسمّيها أبو مازن ـ تستفزّ إسرائيل وتدفعها لمعاقبتنا، بل تحوّلت إلى سلاحٍ قد لا يكون خطيرًا الآن، لكنّه سرعان ما سيكون كذلك في وقت لاحق.

وقياسًا عليه، فإنّ طائرة أبابيل، الّتي سخر منها أيتام اليسار، سرعان ما ستتخلّص من كاريكاتوريّتها، وتتحوّل إلى سلاح حقيقيّ يهدّد، ليس إسرائيل وحدها، بل الديكتاتوريّات العربيّة العميلة المتغوّلة على شعوبها أيضًا.

كانت تقديرات أعداء حماس، وفي مقدّمتهم إسرائيل، تشير إلى أنّها في أقصى درجات ضعفها، فالحصار القاسي المفروض على غزّة، والأخطاء التي ارتكبتها خلال وجودها في السلطة، وخروجها مع محور (إيران ـ سوريّة ـ حزب الله)، وسقوط نظام محمد مرسي في مصر، كلّ ذلك أدّى إلى إنهاك التنظيم من جهة، وإنهاك أهل غزّة من جهة أخرى، وذلك ما يجعل الفرصة سانحة لتوجيه ضربة قاصمة لها على شاكلة ما حدث في مصر.

ومع أنّ النجاحات العسكريّة التي أنجزتها حماس وحلفاؤها في المقاومة، قد فاجأت إسرائيل، إلا أنّ المفاجأة الكبرى تمثّلت في موقف الشارع الغزّيّ الّذي لم يتخلّ عن المقاومة، على الرغم من معاناته الشديدة. 

كان من الواضح أنّ حالة الإسناد الشعبيّ هي التي دفعت المقاومة إلى تحدّي جيش الاحتلال، ورفض المبادرة المصريّة، ورفع سقف الشروط المطلوبة لإيقاف القتال، واللجوء إلى (وسيط) آخر غير الوسيط المصريّ الذي بدا منحازًا إلى جانب إسرائيل.

لكنّ هذا سيؤدّي، باعتقادي، إلى ازدياد شراسة الحرب على المقاومة، وعلى حماس، التي تحوّلت من مقاومة كاريكاتوريّة تستفزّ العدوّ، إلى مقاومة حقيقيّة تمتلك سلاحًا حقيقيًّا يمكن، في المدى المنظور، أن يهدّد إسرائيل والنظام العربيّ الموازي لها. وفيما كانت المقاومة الغزّيّة تغادر كاريكاتوريّتها، كان بعض القوى الشعبيّة العربيّة والفلسطينيّة، التي تعتبر نفسها تقدّميّة، تتحرّك كطابور خامس بعكس اتّجاه المقاومة، وتتحوّل هي ذاتها إلى كاريكاتور هزيل على هامش حركة التاريخ.