حرب صغيرة من أجل الردع

حرب صغيرة من أجل الردع

10 يوليو 2014
الصورة

بوستر يجمع صور المستوطنين الثلاثة (يونيو/2014/أ.ف.ب)

+ الخط -

لم يقف الفلسطينيّون كثيرًا عند تفاصيل الرواية الإسرائيليّة المرتبكة حول اختطاف نفتالي فرينكل، وجلعاد شاعر، وإيال يفراح، بل تبنّوا، على الفور، حكاية (خطفهم)، وأطلقوا عليهم اسم (الشلاليط الثلاثة)، ليربطوا بينهم وبين الجنديّ جلعاد شاليط الّذي أسرته حركة حماس في 25 يناير/ كانون الثاني  2006، وحرّرت مقابله 1027 أسيرًا عربيًّا ضمن صفقة  (وفاء الأحرار) الشهيرة. إنّهم (جنود) إذن، بالنسبة للفلسطينيّين، وليسوا مدنيّين أبرياء، وإنّ (خطفهم) فعل مشروع من أفعال المقاومة، وليس إرهابًا كما يراه الإسرائيليّون.
وإذا كانت إسرائيل قد سارعت إلى اتّهام الفلسطينيّين وحماس بتنفيذ العمليّة، قبل إجراء أيّ تحقيقات، فإنّ الفلسطينيّين، في المقابل، سارعوا إلى تبنّيها، والتهليل لها فور الإعلان عنها، وتلك إشارة واضحة إلى استعدادهم النفسيّ الكبير لمواجهة العدوّ، على خلاف ما تريد السلطة الفلسطينيّة وما يريد الاحتلال.
لقد نفت حماس علاقتها بالعمليّة، ولم تعلن أيّ جهة أخرى مسؤوليّتها عنها، لكنّ الشارع الفلسطينيّ لم يتخلّ عن تبنّيها، وكأنّه يريد أن يؤكّد لإسرائيل موافقته على مثل هذا الفعل، واستعداده لتحمّل ما يترتّب عليه من نتائج.
ومنذ البداية، كان من السهل اكتشاف نقاط الضعف الكثيرة في الرواية الرسميّة الّتي نشرت بعد العثور على جثث المستوطنين الثلاثة، في 29 يونيو/حزيران، أي بعد ثمانية عشر يومًا من اختفائهم؛ وكما ورد في "يديعوت أحرونوت"، فإنّ المستوطنين الثلاثة كانوا يتمشّون عائدين إلى بيوتهم خارج مستوطنة (إيلون شفوت) جنوب القدس، بعد العاشرة ليلا، ثمّ استقلّوا سيّارة هيونداي كان فيها عامر أبو عيشة ومروان القواسمة، ولم يدرك المستوطنون أنّهم تعرّضوا للخطف، إلاّ بعد أن اتّجهت السيّارة بهم بعيدًا عن طريق مستوطنتهم، وقد غافل أحدهم الخاطفين، وأجرى مع الشرطة مكالمة دامت أكثر من دقيقتين، أبلغهم فيها بأنّه يتعرّض للخطف. لكنّ الشرطة اعتبرتها مكالمة عابثة، ولم تقم لها وزنًا، وحين انتبه الخاطفان، أطلقا النار عليه في المقعد الخلفيّ، ثمّ أجهزا على زميليه. بعد ذلك، اتّجها صوب الخليل، حيث أحرقا سيّارة الهيونداي، ثمّ نقلا الجثث بسيّارة أخرى، ودفناها، في أرض مملوكة لعائلة القواسمة قرب

حلحول. وسلمت قوّات الأمن الفلسطينيّ الإسرائيليّين سيّارة الهيونداي، الّتي (دمّرها الحريق تمامًا، إلاّ أنّ بعض نقاط الدم بقيت ماثلة فيها)!! أمّا التحقيقات الإسرائيليّة فقد أفادت أنّ المستوطنين قتلوا، بعد دقائق من خطفهم، ولم يتمّ إخفاؤهم بغرض التفاوض، وهذا ما أثار التساؤلات حول رواية (الاختطاف) الّتي روّجتها الحكومة والجيش والمخابرات الإسرائيليّة، على الرغم من معرفتها بالحقيقة منذ البداية.
أحد الشباب اليهود ـ ويدعى شبتاي أبيغال ـ كتب يتساءل، على صفحته في "فيسبوك": لماذا كذبت علينا الشرطة؟ ولماذا غامر الجيش بإرسال الجنود إلى غزّة، وهو يعلم أنّ المخطوفين ليسوا أحياء، وليسوا في غزّة؟ ولماذا جرّت الحكومة عائلات المخطوفين إلى الأمم المتّحدة، وهم من المستوطنين المتشدّدين المعادين لكلّ ما يمتّ إليها بصلة؟ 
كانت الرواية الرسميّة، إذن، مليئة بالثغرات، ومثيرة لشكوك الإسرائيليّين أنفسهم، ولم يكن ثمّة ما يوضّح كيف عرفت الحكومة، مثلاً، أنّ المستوطنين دفنوا بعد حرق السيّارة لا قبلها، أو لماذا قام الخاطفان بتغيير السيّارة وحرقها، أو كيف بقيت بعض نقاط الدم ماثلةً في السيّارة الّتي دمّرها الحريق تدميرًا كاملا؟ أو كيف يمكن أن تبقى الجثث في حالة جيّدة، بعد 18 يومًا، على الرغم من درجات الحرارة العالية، مع أنّها لم تدفن جيّدًا؟ ومنذ إعلان العثور على جثث المخطوفين، دعا نائب وزير الدفاع، داني دانون، إلى القيام بعمليّة عسكريّة شاملة، تهدف إلى القضاء على حماس، وشدّد على أنّ الجيش لن يتوقّف إلا (عند تدمير حماس بشكل كامل)، وصرّح نتانياهو إنّ إسرائيل تمتلك الأدلّة الكافية على أنّ منظّمة حماس هي الّتي خطفت المستوطنين الثلاثة، في 12 يونيو/حزيران، وقتلتهم.

لقد تبيّن أنّ نتانياهو فرض على الحكومة إخفاء خبر مقتل المستوطنين، ليتسنّى له تحشيد الرأي العامّ الإسرائيليّ والعالميّ، وخلق المناخ الملائم والذرائع الكافية لشنّ حرب خاطفة على غزّة، هدفها إنهاك الغزّيّين، ودفعهم إلى الوقوف ضدّ فصائل المقاومة الّتي تجرّ عليهم الويلات، مرّة تلو أخرى. كان نتانياهو يعلم أنّ (كلفة) الحرب الشاملة على حماس باهظة، لكنّه كان يخشى أن تؤدّي المصالحة الحقيقيّة بين حماس وفتح، في ظلّ انطفاء السلطة الفلسطينيّة، إلى صعود تيّار المقاومة.
لهذا، كان لا بدّ من اختلاق حربٍ سريعةٍ، ذات هدف ردعيّ، حيث قال أفيحاي أدرعي، حين سئل عن سبب تسمية هذه العمليّة بـ (الجرف الصامد)، إنّه تمّ إدخال تعديلاتٍ على الاسم، بحيث أصبح يحمل معنى دفاعيًّا، وأضاف أنّ هذه الحرب تريد فقط إحياء سياسة الردع. لكنّ أحد مثقّفي اليسار العرب يذهب إلى الاعتقاد بأنّ عمليّة (الجرف الصامد) عمل ممنهج يهدف ببساطة إلى إعادة تلميع حماس، وتنظيفها من وسخها، لتبدو قوّة مقاومة، ويعتقد بأنّ ما يجري هو جزء من صفقة قطريّة ـ سعوديّة ـ أميركيّة ـ إسرائيليّة، تهدف إلى إعادة حماس إلى الشارع، لا إلى القضاء عليها، وهذا أمر "يضع العقل في الكفّ حقًّا"، على حدّ تعبير أهل الشام.