منزل الأقنان: شاهد على الخراب

24 ديسمبر 2014
الصورة
+ الخط -

لم تغادر الخيبات بدر شاكر السياب حياً أو ميتاً. ظلّ الشاعر بلا أثرٍ في بلاده التي لاحقه طيفها في المدن التي ذهب إليها: الكويت (توفي في أحد مشافيها) ولندن وبيروت. وبعد رحيله، لا يبدو أن هذه البلاد، المشغولة بالموت عبر تاريخها، تودّ تعويض صاحب "أنشودة المطر" عن ذلك النسيان.

بيت عائلة السياب، الذي قفز إلى غلاف ديوانه "منزل الأقنان" (1963)، ظلّ ماكثاً في الخراب، رغم وعود الحكومات العراقيّة المتعاقبة على حكم البلاد بتحويله إلى متحف يضمّ حاجياته وكتبه وصوره والدراسات التي صدرت عنه.

البداية كانت عام 1969، بعد وفاة الشاعر "العليل" بخمسة أعوام؛ إذ اشترت حينها الحكومة المنزل من العائلة بمبلغ زهيد على أساس أنها ستحوّله إلى متحف. لكن العواصف السياسية والانقلابات أكلت ذكريات السياب، ونسيت الحكومات المشغولة بالسلطة صاحب "شناشيل ابنة الجلبي".

أبقت السياسة القلقة في العراق، والتي تنقّل السياب من يمينها إلى يسارها دون أن يكون له انتماء محدد فيها، منزله خربة لعشرة أعوام، حتّى قررت الحكومة العمل على بناء المنزل وترميمه من جديد. لكن "العزم" على إحياء "منزل الأقنان" تزامن مع الحرب، فقد حلت قعقعة الأسلحة محل همس العصافير، وبات بيت عائلة السياب الغافي فوق كتف نهر بويب على مرمى قذيفة في الحرب العراقية - الإيرانية التي استمرت ثماني سنوات، وكانت البصرة، مدينة الشّاعر، أكثر المدن التي تضررت بسببها.

جاء عقد التسعينيات وكأنه تحقّقٌ لنبوءة السياب: "ما مرّ عام والعراق ليس فيه جوع". انشغلت البلاد بخطب الدكتاتور المزهو بالشعر العامي والقصيدة العمودية وبناء القصور، ومر عقد آخر على نسيان السياب. المنزل يُصاب بالضمور تماماً كتفتت عظام السيّاب في أيامه الأخيرة في الكويت.

في عام 2002، قبيل عام واحد من تحوّل بغداد إلى "مبغى" كما يصفها الشاعر، لكنه هذه المرّة مبغى للسياسة، قرّرت حكومة صدّام حسين أن ترمّم المنزل أخيراً. لكن صوت الحرب يحلّ مرّة أخرى بدلاً عن الإعمار، فيطوي الأمر النسيان.

السياب الذي غادر هذا العالم دون معرفة أن شركة الموانئ التي كان يعمل فيها قد طردت عائلته من البيت الذي كانت تقطنه، وجد أخيراً من يهتم بترميم بيت العائلة في جيكور. إذ قرّرت الحكومة المحليّة في البصرة قبل عامين تخصيص نحو 400 ألف دولار لإعادة تأهيل المنزل، وتحويله إلى متحف. استغرق العمل في منزل الأقنان لأكثر من عام، إلا أن المنزل فقد هويته وضاعت ملامحه، فقد مسحت مواد البناء الحديثة التاريخ من جدران البيت وأبوابه وشبابيكه، ولم يعد ما يدّل عليه سوى ذكريات مبعثرة وكلمات متناثرة من قصائده.

السياب الذي اختزل فواجع التاريخ العراقي الحديث شعراً، اختزل فاجعته الشخصية أيضاً في قصيدة "منزل الأقنان في جيكور": "خرائب فانزع الأبواب عنها تغد أطلالا"، ويختتمها: "ألا يا منزل الأقنان سقتك الحيا سحبُ/ تروي قبري الظمآن/ تلثمه وتنتحبُ".

دلالات

المساهمون