خمسينية السيّاب: سجلات لغربة العراق

24 ديسمبر 2014
الصورة
بورتريه لـ جنان داود
+ الخط -

كلما تذكرتُ بدر شاكر السياب، الشاعر الغائب منذ خمسين عاماً (1926 - 1964) توالت صورٌ بعد صور، ومشاهدُ بعد مشاهد، والقليلُ من الكلمات، على غير عادة ذكرى أي شاعرٍ من الشعراء. بعضهم تتردّد في الذاكرة كلماتٌ له، سطورٌ من قصائده، أو عبارات مأثورة، ولكن هناك بعضٌ آخر لايحضر إلا على هيئة سلسلةٍ من الصور. والسيابُ أحد هؤلاء الذين شعرتُ منذ تعرفتُ إلى أنشودته للمطر قبل أكثر من نصف قرن، أنه قرين صور حية تنبض لا أصوات كلمات.

الصورة الأولى، والأكثر شيوعاً، هي صورة النحيل الواقف تحت ظلةٍ يراقب انهمار المطر، أو الراكض تحت وابل مطري، أو المتوعد بالمطر المحلَ والجوعَ والضياعَ، والصورة الأخرى هي صورة الساري في الظلام عائداً إلى قرية طفولته، جيكور، أو مسرنماً يسير إلى ضريح أمه مشدوداً بخيط رفيع ونداءٍ خفي..

وتتوالى صور شتى؛ صورة الطفل القروي الساهم النظرات بين بساتين النخيل وقنواتها المائية في قضاء أبي الخصيب، جنوب مدينة البصرة، وصورة المتوحد في بغداد بين دار المعلمين العليا حيث يواصل دراسته في أربعينيات القرن العشرين، وبين مقهى من مقاهي دجلة الممتدة مع امتداد شارع يعرف حتى اليوم باسم شارع أبو نؤاس، وصورته، وهو يكتب مقدمة ديوانه الثاني "أساطير" (1950)، ويسجل خواطره حول تجربة قصيدة تحتوي على "نوع من الموسيقى لا عهد به لأغلب قراء الشعر في العراق".

وأخيراً صورة ذلك المحاضر في العام 1957 في جامعة بيروت الأميركية بدعوة من مجلة "شعر" وهو يقول للمستمعين "ما زلنا في بداية الطريق، ما زلنا نحاول ونجرب.. وقد ننجح في هذه المحاولة وقد لا ننجح، ولكننا واثقون من شيء واحد؛ أننا سنمهد الطريق لجيل جديد من الشعراء سيجعل الشعرَ العربي مقروءاً في العالم كله".

هذه ليست كل صور الشاعر بالتأكيد، ولكنها على الأقل هي الصور التي تستثيرها ذكراه، وتجعله أقرب إلى أن يظل حياً، بالنسبة لي على الأقل، من الكتب والمقالات التي تناولت قصائده وتركته جانباً، أي تجاوزت القائل إلى قوله، فتحدثت عن رومانسيته وواقعيته ورحلاته مع الأساطير، بل وعن التزامه السياسي ثم تحلله منه، ولم تستطع إيجاد رابط بين الجانبين.

هل يمكنني أن أنسى ذلك الشارع العريض الممتد على ضفة شط العرب حيث يقف تمثال الشاعر الآن، ولا أتوقف عند مشهده، ومشهد عدد من شعراء البصرة، من جايله ومن جاء بعده، وهم يتمهلون في سيرهم بين أشجاره؟ أو يجلسون في مقاهيه في مواجهة أمواج الشط والنسائم الرخية تتلاعب بها ذات مساء؟

تلك هي الظلال التي تاق إلى الحياة تحتها شاعر مثل السياب، تدفق شعراً بحيوية نبعٍ ثري تسربت إليه أمطارُ سحائبِ عصر اصطخبَ بحروب التحرير، وحروب تجار الأسلحة، وارتفعت فيه أصواتُ المضطهدين، ورفدته مياهٌ جوفية مما تخلف من عصور عربية كانت فيها للقصائد جلجلة كما للسيوف في غبار المعارك.

ذلك هو السياب كما تصوره قصائده، فهو وراء صورها ولمساتها وأصواتها، ولا يمكن أن تخطئ أذنٌ نغمة اتخذت لها سمة من اسمه، فهذه "صورة سيابية" وذاك "تشبيه سيابي".. وما إلى ذلك من التقاطات. وكذلك لايمكن أن يخطئ مستمع أو قارئ في التعرف إلى معنى الشعر السيابي، حين يقرأ مطولة "حفار القبور" أو "المومس العمياء" أو "أنشودة المطر".. على سبيل المثال، حتى من دون أن يستمع إلى هذا الحوار:

سأل أحدهم "السياب" ذات يوم من أيام العام 1961: "ما رأيك بشعر شاعر مثل نزار قباني؟"، فجاء جوابه يحمل نوعاً من المفاكهة: "شعر قباني جكليت"، أي هو نوع من الحلوى التي تهدى للصغار، فقيل له: "وبماذا تصف شعرك؟"، قال: "شعري خبزٌ وليس جكليتاً"!

نتذكر السياب إذاً بوصفه تجربة حياة إنسانية، وليس مجرد تجربة شعرية مرصوفة في كلمات. عاش مغترباً في أعماق مدينة هنا أو هناك لم يجد للصلح معها مكاناً، "دنيا من الحجر" أو متاهة تبرز كلما ابتعد عن قرية الطفولة بين أفياء النخيل، أي كلما ابتعد عن قصائده الأولى، الأكثر تعبيراً عن إحساس رومانسي عاد إليه في أيامه الأخيرة بعد أن بلغ الثامنة والثلاثين من عمره نحيلا ويائساً من الشفاء، متنقلاً بين مستشفى ومستشفى.

قد تكون هذه العودة تعبيراً عن يأسٍ من تحقيق أبسط حلم من أحلام شاعر تناثرت تنهداته عند كل منعطف وإطلالة، بين قريته وبغداد وبيروت وروما وصولاً إلى لندن، فعودة إلى سرير مستشفى في الكويت، ثم رحلة أخيرة إلى مقبرة الحسن البصري في مدينة الزبير تحت مطر خفيف برفقة مشيعين لا يتجاوز عددهم أصابع اليد الواحدة، وقد تكون كشفاً لمصير الإنسان، أن يرتد، بعد كل زهو وتعاظم، إلى مجرد ذكرى نابضة في خيال الأحياء.

وليسأل هؤلاء، بعد كل هذا الغياب؛ ما الذي أعطانا هذا الشاعر من لحظات تناوبت بين شجاعة تحديق في وجوه الأزمنة بلا خوف، وبين ارتجاف إنسان أمام رحلة ستمتد ما امتد الأبد؟ وسيكون الجواب، كما آمل، أعطانا حياة مفعمة بالرغبة والعنفوان، بإحساس قوي بالحياة يحتاجه الأحياء.

المساهمون