معارك الإلغاء والإقصاء بين "علمانيين" و"إسلاميين"

31 يوليو 2020
الصورة

أي شخص موضوعي، أو يحاول أن يكون كذلك، ويملك قدراً من القيم والأخلاق، الأصل فيه أن يسعى إلى أن يرتقي بفكره وخطابه وسلوكه إلى المِثالِ الذي يدّعي أنه ينشده، بغض النظر عن المرجعية الأيديولوجية التي تحدّد معيارية المثال هنا. صحيح أن ما بين الواقع والمثال، وما بين المعيارية والحال، بونا شاسعا على الأغلب. وليس ثَمَّة جديد نضيفه عندما نقرر هذه الحقيقة التي نعايشها وَنَخْبرُها في اليوم مرّات ومرّات، إلا أن ذلك لا ينبغي أن يتحوّل إلى تشريع لذلك الانفصام النكد بين ما نزعمه، وندّعي أننا نناضل من أجله، وما هي عليه ممارساتنا وأفعالنا. ولعل أوضح نموذج على ذلك الانفصام النكد ما نجده عند بعض رجال الدين، بغض النظر عن الانتماء الديني هنا، إذ أنهم أكثر الفئات التصاقاً في وعي الناس، عندما يجدون منهم سلوكاً يعد شاذاً وقبيحاً في ميزان ما يعظون به غيرهم أو يوبخونهم على أرضيته. الأمثلة كثيرة، وكما سبق القول في كل دين، فتجد من رجال الدين من يخون أمانة ما اسْتُحْفِظَ عليه، سواء في جعل الانتماء لعرق ما مدعاةً للتفوق على باقي البشر، أم في الاعتداء الجنسي على الأطفال أو النساء، أم في سرقة أموال التبرّعات والصدقات والزكاة، أم في التحوّل إلى بوق لسلطان جائر، يبرّر له كل رذيلة يرتكبها بحق تعاليم الدين، أو جريمة يوقعها بالناس. ذلك لا شك خلق وممارسة مذمومان في أي إطار قِيَمِيٍّ سوي. 

معركة استنزاف الذات لن تتوقف إلا عندما تأتي علينا جميعاً، فنحن وقودها وحطبها

وبعيداً عن الاستطراد في الأمثلة، وهي كثيرة، فإن الحكم السابق نفسه ينسحب على الخلافات الفكرية والسياسية، خصوصاً منها المنضوية تحت فضاء منظومةٍ تشترك في غاية واحدة. لا يقبل أبداً من ضحايا قمع حرية الكلمة والاعتقاد والتَّحَزُّبِ، المنادون بإطلاق الحريات العامة، أن يكونوا هم أنفسهم إقصائيين وإلغائيين في حق غيرهم، ممن يخالفونهم الرأي والوسيلة في سبيل تحقيق هدف مشترك، حتى ولو كانت محاولات الإقصاء والإلغاء تلك على مستوى الخطاب والقهر المعنويِّ، لا المادي. ذلك أمرٌ مذمومٌ، ويقدح في صدقية وشفافية مقترفه. أدرك أنه من المثالية، ومن غير الواقعي، القول إن خلافاتنا الفكرية والسياسية ينبغي أن تتلاشى لأننا نتفق في الهدف. ستبقى خطوط الفصل القَهْريِّ الأيديولوجي حاضرة، مهما توهمنا غير ذلك، أو تمنيناه. ومن ثمَّ، الأجدى، والأكثر واقعية، أن نتعايش معها، ونركز على إدارتها، وتجنب استثارة حساسياتها وصراعاتها المنفلتة من حسابات العقل والأخلاق.

أكتب هذه السطور وأنا أتابع، كغيري، معارك حامية الوطيس بين أشخاص محسوبين على "المعسكر العلماني" وآخرين محسوبين على "المعسكر الإسلامي". لا أريد أن أخوض في أسماء، ولا قضايا معينة، فهي مجرّد تفاصيل، قد تتغير غداً، مع بقاء أصل الصراع قائماً. ما يسيء في الأمر أن أطراف بعض تلك الصراعات قد يكونون متفقين في هدف مركزي، كالموقف من نظام ديكتاتوري بطش بالجميع، وألقى بهم في السجون، أو حولهم إلى لاجئين ومنفيين، من دون تفرقة بينهم على أساس الأيديولوجيا، أو الانتماءين، السياسي والحزبي. ومع ذلك، بأسهم بينهم شديد، وعندما تنظر إلى الأسباب تجدها، في أحيان كثيرة، تافهة، تمَّ افتعالها من بعضهم. أما الأغرب هو عندما تجد من يفترض أنهم مثقفون في صفوفهم يستخدمون لغة "شَوارِعِيَّةً" في خوض تلك المعارك الدونكشوتية.

معيب أن يحيل "علمانيون" إلى "الإسلاميين" بـ"الإسلامجية" و"الإخوانجية" و"المرتزقة"، وأن يحيل "إسلاميون" إلى "العلمانيين" بـ"القومجية" "واليسارجية" و"الليبرالجية"

أليس من المعيب، ومما يدخل في باب الإقصاء ومحاولة الإلغاء، ولو معنوياً، أن يحيل "علمانيون"، يفترض أنهم مثقفون، إلى "الإسلاميين" بـ"الإسلامجية" و"الإخوانجية" و"المرتزقة"؟ أليس من المعيب، أيضاً، ومما يدخل في باب الإقصاء ومحاولة الإلغاء، ولو معنوياً، أن يحيل "إسلاميون"، يفترض أنهم مثقفون، إلى "العلمانيين" بـ"القومجية" "واليسارجية" و"الليبرالجية"؟ هذه أحكام قيمية ليس فيها موضوعية، وهي مخلّة، ومن يبادر إلى افتعال مثل هذه المعارك الدونكشوتية لا ينبغي إسباغ صفة المثقف عليه. ماذا يتوقع من يطلق العنان لفحش لسانه وسموم قلمه من الطرف الآخر؟ التعميم في سياق إصدار الأحكام القيمية الحاطَّةِ بحق الآخرين المخالفين، فكرياً وسياسياً، يجعل من صاحبها غوغائياً لا مثقفاً. وفي النتيجة، ينتهي كثيرون من المنخرطين في هذه "الملاحم" الوهمية مصابين بـ"الشيزوفرينيا"، والتي من تعبيراتها اضطراب العلاقة، إن لم يكن انفصالها، بين الفكر والسلوك، وتقود بدورها إلى تقدير خاطئ للأمور، والإقدام على خطوات غير لائقة، ونسج خيالات وأوهام، تترجم هنا في اصطناع خصم أو خصوم، من شخص أو جهات، ليسوا بالضرورة أعداء، بل قد يكون بعضهم حلفاء بدرجات متفاوتة. 

شبه مستحيل أن تنجح محاولاتنا في تَمَثُّلِ المثالِ الذي نزعم تجسيده، أياً كانت مرجعيته ومعياريته، فنحن بشر. لكن هذا لا يعني أن ننحدر إلى أدنى قاع الانحطاط

باختصار، كما أننا لا نستطيع أن نكون ملائكة في تعاملنا مع الآخرين، علينا أن نتوقع أن غيرنا لا يستطيعون، أيضاً، أن يكونوا ملائكة في التعامل معنا عندما نسيء لهم ونتجاوز على كراماتهم وقناعاتهم ورموزهم ومقدّساتهم بطريقة فَجَّةٍ ومشينة. وعلى من يبادر إلى مثل تلك الأفعال المسيئة ألا يشكو سوء أخلاق الآخرين، وضيقهم بالرأي الآخر، وهم يردّون عليه. فارق بين النقد والشتيمة، وبين المناقشة والسخرية، وبين التوضيح والتحريض. نعم، من شبه المستحيل أن تنجح محاولاتنا في تَمَثُّلِ المثالِ الذي نزعم تجسيده، أياً كانت مرجعيته ومعياريته، فنحن بشر. لكن هذا لا يعني أن ننحدر إلى أدنى قاع الانحطاط، واقعاً، في الابتعاد عنه. وإذا بقي هذا حال بعض "مثقفينا" بـ"علمانييهم" و"إسلامييهم"، فإن معركة استنزاف الذات لن تتوقف إلا عندما تأتي علينا جميعاً، فنحن وقودها وحطبها.