مصر: انطلاق رسمي لرحلة دستور على قياس عبدالفتاح السيسي

03 فبراير 2019
الصورة
انطلق البرلمان المصري رسمياً بإجراءات تعديل الدستور (العربي الجديد)
يؤرخ اليوم، الأحد، تاريخ الانطلاق الرسمي لمشروع الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، تعديل الدستور، بشكل يجعل مصطلح "تعديل" غير دقيق، إذ إن الأكثر دقة هو إلغاء دستور 2014 ووضع نص جديد بالكامل، يكون مكتوباً، لا على قياس النظام الحالي، بل حسب مصلحة السيسي شخصياً، مع مساعده الأبرز، عباس كامل. مشروع دستور جديد ستتبلور تفاصيله مع مرور الأيام، تدريجياً، بشكل يوحي وكأن كل ما في الأمر هو إجراء تعديلات على ما هو موجود، بينما الحقيقة أن المطروح هو التخلص نهائياً من وثيقة عام 2014، رغم أنها من صنع السلطة الحاكمة اليوم. غير أن المطلوب بات أكبر بكثير بالنسبة للسيسي، الراغب في البقاء رئيساً ما دام حياً، وغير المتحمس لوجود أي مادة قد تحدّ من سلطاته المطلقة، حتى ولو أن أي بند دستوري رقابي لم ينفذ منذ وضع الدستور المعمول به حالياً. هكذا، ينوي السيسي "تأبيد" حكمه من جهة، والتخلص من أي ملامح استقلال للقضاء من جهة ثانية، وحذف كل ما من شأنه أن يذكّر، ولو رمزياً وعاطفياً، بإنجازات ثورة يناير 2011، تحديداً ذلك البند الذي ينصّ على إحلال "العدالة الانتقالية" التي كان من شأنها، لو طُبق، إطاحة رموز كثر من السلطة الحالية.

البداية بست مواد
وتقدّم، اليوم، النائب عبد الهادي القصبي، رئيس ائتلاف "دعم مصر" النيابي (نحو 370 عضواً)، بمذكرة رسمية إلى رئيس مجلس النواب، علي عبد العال، لتعديل بعض مواد الدستور، لتنطلق رسمياً إجراءات التعديلات الدستورية المرتقبة منذ عدة أشهر. ورغم أن البيان الرسمي الصادر عن الائتلاف الموالي، بشأن التعديلات، اقتصر على 6 مواد فقط، أبرزها زيادة فترة الولاية الواحدة إلى 6 سنوات بدلاً من 4 سنوات، والسماح للرئيس بالترشح لدورتين أخريين بعد انتهاء مدة ولايته الحالية (الثانية) في عام 2022، وتعيين نائب أو أكثر لرئيس الجمهورية، إلا أن المعلومات ترجح إضافة مواد أخرى لقائمة التعديلات بمرور الوقت، واستمرار تداول التعديلات تحت قبّة مجلس النواب.

وقال مصدر حكومي مطلع إن السبب الرئيس في تقدّم الائتلاف بعدد قليل من المواد في طلب التعديل، هو استمرار وجود خلافات حول عدد أكبر من المواد الخاصة بمؤسسة الأزهر والقضاء ونصيب الصحة والتعليم والبحث العلمي من الناتج القومي، وسلطات رئيس الجمهورية، ونظام الإدارة المحلية، والمادة 226 الخاصة بإجراءات التعديل ذاتها، فضلاً عن مقترحات بإلغاء عدد كبير من المواد الانتقالية والالتزامات التشريعية على البرلمان، كتلك الخاصة بالعدالة الانتقالية وإلغاء انتداب القضاة. وبالتالي كان لا بد من تقديم "طلب التعديل" مصحوباً بما تيسر الاتفاق عليه داخل أجهزة الحكم من تعديلات، بهدف "حجز المواعيد وعدم الإخلال بالجدول الزمني الموضوع للإجراءات" بشكل يتم الانتهاء من العملية برمتها قبل منتصف العام الجاري، أخذاً في الاعتبار بداية شهر رمضان، في الأسبوع الأول من مايو/أيار المقبل.


ويؤكد هذا الكلام ما سبق أن نشرته "العربي الجديد" عن اجتماع السيسي بمستشاريه وعدد من وزرائه، لدراسة المواعيد المناسبة لبدء إجراءات تعديل الدستور، والاتفاق على ضرورة تحريك التعديلات في شهر فبراير/شباط الجاري، نظراً لاستغراق الإجراءات أكثر من 3 أشهر، بموجب المادة 226 من الدستور. فبعد تقدم خُمس أعضاء مجلس النواب بطلب التعديل، يناقشها المجلس خلال 30 يوماً، وبعد الموافقة، تتم مناقشة النصوص بعد 60 يوماً أخرى، ثم يعرضها للتصويت، فإذا وافق على التعديلات ثلثا الأعضاء (العدد الرسمي لأعضاء البرلمان 595 عضواً حالياً)، عرض الأمر على الشعب للاستفتاء خلال 30 يوماً من تاريخ صدور هذه الموافقة، وبالتالي فإن هناك أكثر من شهرين سيمران بين الموافقة على التعديل من حيث المبدأ، والموافقة على تفاصيلها، بافتراض أن الموافقة سيتم تأمينها في جلسة واحدة أو جلستين، مما يعني أن النظام عليه الإسراع ليتمكن من تمرير التعديلات قبل شهر رمضان، الذي تختصر فيه جلسات البرلمان.

حجة "مدنية الدولة" 
وكشفت مصادر سياسية مصرية رفيعة المستوى، أن جوهر التعديلات الجديدة، والتي يتم تقديم بعضها تحت مسمى الحفاظ على مدنية الدولة، يقوم على إدخال عبارات في المواد المتعلقة بالقوات المسلحة في الدستور تسمح لها، بشكل رسمي، بالدخول في الأنشطة العامة والاقتصادية، مع منحها وضعاً خاصاً بنصوص دستورية. وأضافت المصادر أن تلك النصوص الجديدة تحمل في مجملها روح الوثيقة التي تم تقديمها إبان المرحلة الانتقالية التي أعقبت ثورة يناير 2011، وعُرفت وقتها بـ"وثيقة السلمي"، نسبة إلى نائب رئيس الوزراء وقتها، علي السلمي، ولاقت رفضا قويا من القوى السياسية وشباب الثورة، بسبب نصها على وضع خاص للقوات المسلحة.



وتنص المادة 170 من الدستور على أن "القوات المسلحة ملك للشعب، مهمتها حماية البلاد والحفاظ على أمنها وسلامة أراضيها، والدولة وحدها هي التي تنشئ هذه القوات. ويحظر على أي فرد أو هيئة أو جهة أو جماعة إنشاء تشكيلات أو فرق أو تنظيمات عسكرية أو شبه عسكرية. ويكون للقوات المسلحة مجلس أعلى على النحو الذي ينظمه القانون". وتنص المادة 171 على أن "وزير الدفاع هو القائد العام للقوات المسلحة، ويعيَّن من بين ضباطه"، مع وجود مادة انتقالية لدورتين رئاسيتين كاملتين تبدأ من تاريخ العمل بالدستور، يكون تعيين وزير الدفاع بعد موافقة المجلس الأعلى للقوات المسلحة، وهي المادة التي تم وضعها حينما كان الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، وزيرا للدفاع وقتها.


صلاحيات الرئيس
وفي ظل تعتيم برلماني وإعلامي على محتوى التعديلات المقدمة والأخرى التي سيتم الدفع بها تباعاً خلال فترة دراسة التعديلات، ترددت في الأوساط الحكومية والقضائية المصرية معلومات تشير إلى أن التعديلات تتضمن نصاً يضفي حماية دستورية على القانون الذي أصدره السيسي في إبريل/نيسان 2017 ويجعله صاحب القرار الأخير في تعيين رؤساء الهيئات القضائية، مع إضافة نص يجعله صاحب الاختصاص الوحيد في تعيين رئيس المحكمة الدستورية العليا أيضاً، بدلاً من الجمعية العمومية لهذه المحكمة. ويترأس جميع الهيئات القضائية المصرية حالياً مستشارون معينون بقرار جمهوري من السيسي، بالمخالفة لقاعدة الأقدمية المعمول بها منذ نشأة القضاء المصري، استناداً للقانون الذي أصدره في إبريل 2017 والمطعون فيه أمام المحكمة الدستورية حالياً، والذي استبعد بسببه المستشاران يحيى دكروري وأنس عمارة من رئاسة مجلس الدولة ومحكمة النقض على الترتيب، بسبب تقارير أمنية اعتبرتهما من معارضي النظام، بسبب إصدار الأول حكماً بمصرية جزيرتي تيران وصنافير، وتأييد الثاني لتيار الاستقلال القضائي في العقد الماضي.

لكن المحكمة الدستورية التي يتعامل معها الدستور بوصفها "جهة قضائية قائمة بذاتها" غير باقي الهيئات، نجت من ذلك القانون عند وضعه، ويخشى القضاة حالياً، بناء على المعلومات الجديدة المتداولة، أن تطاول التعديلات مواد المحكمة، أو يكتفى بوضع قاعدة عامة تسري على جميع الجهات والهيئات القضائية، بأن ترشح كل هيئة 3 من كبار أعضائها ويختار رئيس الجمهورية من بينهم من يشاء. وفي حالة وضع هذا النص وظهوره بالفعل في التعديلات الدستورية التي ستقدم هذا الشهر، فسوف يترتب على ذلك تغيران أساسيان؛ أولهما أن الطعون المرفوعة حالياً أمام المحكمة الدستورية العليا على قانون تعيين رؤساء الهيئات ستصبح عديمة الجدوى، لأن النصوص المشكوك في دستوريتها ستغدو دستوراً بحد ذاتها، وبالتالي ينتفي أساس الطعن عليها. أما التغيير الثاني والأهم فهو إلغاء سلطة الجمعية العمومية للمحكمة الدستورية في اختيار رئيسها، والعودة إلى وضع أشبه بالوضع الذي كانت عليه قبل الثورة في عهدي أنور السادات وحسني مبارك، اللذين كانا يعينان رئيس هذه المحكمة تحديداً من أي هيئة كانت، من دون اشتراط أن يكون من أعضائها، أو سبق له الاشتغال بالقضاء الدستوري.



وقالت مصادر حكومية في وزارة العدل لـ"العربي الجديد" إن هناك قلقاً يساور السيسي والمقربين منه من صعود "قاض أو أكثر يصعب السيطرة عليهم" إلى رئاسة المحكمة الدستورية. وأضافت المصادر أن المخابرات العامة باعتبارها المشرف المباشر على عملية التعديل الدستوري والتحضير له، تلقت تحذيرات من قضاة وشخصيات عامة من مغبّة الاقتراب من المواد الخاصة بالسلطة القضائية في التعديل المرتقب، لكن الصوت الأعلى لا يزال يتجه لبسط سيطرة السيسي الكاملة على جميع المحاكم والهيئات. وترددت معلومات أيضاً عن وجود مقترح بتعديل المواد الخاصة بمجلس الدولة، بحيث يقتصر دوره في مراجعة مشروعات القوانين قبل إصدارها على المشروعات المقدمة من الحكومة وحدها، وعدم عرض المشروعات المقدمة من نواب البرلمان على قسم التشريع في المجلس، وبالتالي الإفلات من رقابته القضائية المسبقة على القوانين، والتي يعتقد بعض المسؤولين أنها تعطل عجلة التشريع.


أما المواد التي تضمّنها الطلب المبدئي للتعديل، فتضم إلى جانب إطالة فترة الولاية الرئاسية، جواز تعيين نائب أو أكثر لرئيس الجمهورية، وإعادة النظر في استمرار المجلس الأعلى للإعلام والهيئة الوطنية للإعلام والهيئة الوطنية للصحافة، وجميعها كيانات استحدثت في دستور ما بعد الثورة في 2012، ويسعى النظام لإلغائها ودمجها في وزارة واحدة، واشتراط تمثيل المرأة بنسبة 25 في المائة في البرلمان، وإنشاء غرفة ثانية للبرلمان باسم "مجلس الشيوخ" بدلاً من مجلس الشورى السابق.

ملامح التعديل
وحسب مصدر قيادي في ائتلاف دعم مصر، فإن جميع أعضاء الكتل البرلمانية الموالية للسيسي تلقوا رسائل نصية على هواتفهم، وعبر تطبيق "واتسآب"، للتنبيه عليهم بضرورة الحضور إلى مجلس النواب للتوقيع على طلب تعديل الدستور، حتى يقدم بأكبر عدد ممكن من توقيعات النواب، بغرض تصدير حالة التأييد النيابي الواسع للتعديل إلى وسائل الإعلام، والرأي العام، على غرار ما حدث في تزكية أعضاء البرلمان لترشح السيسي في انتخابات 2018.
ورفض المصدر، في حديث خاص، الإفصاح عن مصدر تلك الرسائل (يرجح أنها صادرة من جهة استخباراتية). وأفاد المصدر بأن التعديلات شملت إنشاء غرفة ثانية للبرلمان باسم "مجلس الشيوخ"، بعدد نواب لا يقل عن 250 عضواً، وتقليص عدد أعضاء مجلس النواب إلى 450 عضواً، مع تخصيص "كوتا" للمرأة من المجالس النيابية بواقع 25 في المائة، والنص على التمثيل "المناسب" للمسيحيين والشباب وذوي الإعاقة، و"الملائم" للعمال والفلاحين، فضلاً عن حذف مواد العدالة الانتقالية، وسلطة مجلس النواب في الدعوة إلى إجراء انتخابات رئاسية مبكرة، والنسب الدستورية المحددة لقطاعات الصحة والتعليم والبحث العلمي.

انتحار سياسي
في المقابل، قال أحد أعضاء تكتل (25 - 30) الذي يضم 16 برلمانياً، والرافض لتعديل الدستور، إن الإسراع في تمرير التعديل عقب أشهر قليلة من انتخاب السيسي لولاية ثانية يعد بمثابة "انتحار سياسي"، على حد تعبيره، لأن جميع الرؤساء السابقين الذين شرعوا في تعديل الدستور لاستمرارهم في الحكم لم يستفيدوا منه، مثلما فعل الرئيس الراحل أنور السادات في عام 1980 (اغتيل في العام التالي)، والرئيس المخلوع حسني مبارك في تعديلات عام 2007. وأضاف البرلماني، الذي رفض ذكر اسمه، في تصريح خاص، أن التكتل سيُعلن رفضه رسمياً التعديلات الدستورية أياً كان فحواها، باعتبار أن دستور 2014 بحاجة إلى التطبيق على أرض الواقع، وليس التعديل، علاوة على كون التعديلات تصادر حق نحو 20 مليون مصري وافقوا على الدستور الحالي بأغلبية ساحقة، وفق تعبيره، مرجحاً تمرير البرلمان التعديلات بعد استيفاء الإجراءات الدستورية قبل فض دور الانعقاد الجاري للبرلمان، في يونيو/حزيران المقبل، على ضوء موقف ائتلاف الأغلبية، وأحزاب الأكثرية، المؤيد لها.

المواد المعدلة
ومن المتوقع أن تشمل التعديلات المادة 7 من الدستور، وتنص على أن "شيخ الأزهر مستقل  غير قابل للعزل، وينظم القانون طريقة اختياره من بين أعضاء هيئة كبار العلماء"، والمادة 18 وتنص على "التزم الدولة بتخصيص نسبة من الإنفاق الحكومي للصحة لا تقل عن 3 في المائة من الناتج القومي الإجمالي، تتصاعد تدريجياً حتى تتفق مع المعدلات العالمية"، والمادة 19 وتنص على "التزام الدولة بتخصيص نسبة من الإنفاق الحكومي للتعليم لا تقل عن 4 في المائة من الناتج القومي الإجمالي". كما ستشمل المادة 21 وتنص على "التزام الدولة بتخصيص نسبة من الإنفاق الحكومي للتعليم الجامعي لا تقل عن 2 في المائة من الناتج القومي الإجمالي"، والمادة 23 وتنص على أن "تكفل الدولة حرية البحث العلمي، وتخصص له نسبة من الإنفاق الحكومي لا تقل عن 1 في المائة من الناتج القومي الإجمالي"، والمادة 154 وتنص على أن "يُعلن رئيس الجمهورية، بعد أخذ رأي مجلس الوزراء، حالة الطوارئ. ويكون إعلانها لمدة محددة لا تجاوز ثلاثة أشهر، ولا تمد إلا لمدة أخرى مماثلة".

وستشمل كذلك المادة 159 وتنص على أن "يكون اتهام رئيس الجمهورية بانتهاك أحكام الدستور، أو بالخيانة العظمي، أو أية جناية أخرى، بناءً على طلب موقّع من أغلبية أعضاء مجلس النواب على الأقل. ولا يصدر قرار الاتهام إلا بأغلبية ثلثي أعضاء المجلس، وبعد تحقيق يجريه معه النائب العام"، والمادة 161 وتنص على أنه "يجوز لمجلس النواب اقتراح سحب الثقة من رئيس الجمهورية، وإجراء انتخابات رئاسية مبكرة، بناءً على طلب موقع من أغلبية أعضاء مجلس النواب على الأقل، وموافقة ثلثي أعضائه". وأخيراً، ستتضمن التعديلات حذف الفقرة الأخيرة من المادة 226 التي تنص على أنه "لا يجوز تعديل النصوص المتعلقة بإعادة انتخاب رئيس الجمهورية، أو بمبادئ الحرية، أو المساواة، ما لم يكن التعديل متعلقاً بالمزيد من الضمانات"، علاوة على حذف مواد باب الأحكام الانتقالية كاملة (من المادة 228 وحتى المادة 247)، واستبدالها بمواد انتقالية أخرى تنظم استمرار السيسي في منصبه إلى حين انتهاء ولايته الحالية، وإمكانية ترشحه من جديد، من دون احتساب ولايته السابقتين.