مسلسلات السيَر المصرية: دراما تشبه النميمة

16 يوليو 2020
الصورة
أدّت سلاف فواخرجي دور أسمهان في عمل متواضع (فيسبوك)
+ الخط -

منذ بداية السينما المصرية في ثلاثينيات القرن الماضي، ثم التلفزيون في ستينياته، لم تكن السِيَر التي تتناول حيوات أشخاص حقيقيين نوعاً مفضّلاً للسينمائيين والجمهور، بأي شكل من الأشكال، إلى درجة أنّ الاستثناءات يمكن تعدادها: "سيد درويش" (1966) لأحمد بدرخان مع كرم مطاوع، و"بديعة مصابني" (1975) لحسن الإمام مع نادية لطفي، والأفلام الذاتية ليوسف شاهين عن حياته، ثلاثية "إسكندرية ليه؟" (1978) و"حدوتة مصرية" (1982) و"إسكندرية كمان وكمان" (1990). تلفزيونياً، يُشار فقط إلى مسلسل "الأيام" (1979) ليحيى العلمي مع أحمد زكي، عن حياة الأديب طه حسين. غير تلك الأعمال، لا يوجد شيء آخر تقريباً سوى احتكاك بشخصيات حقيقية في أفلام جواسيس ومخابرات، وفي سِيَر دينية وتاريخية ذات بُعد قومي، ذاعت في الستينيات الماضية.

ظلّ الوضع هكذا حتى منتصف التسعينيات، الذي شهد تغييراً في العلاقة بهذا النوع السينمائي والتلفزيوني، إذْ بدأ الاهتمام بشخصيات حقيقية، وتقديمها فنياً. الست والريّس يمكن ربط التغيير باسمين اثنين، الممثل أحمد زكي والمؤلّف محفوظ عبد الرحمن، اللذين تشاركا في الفيلم التلفزيوني "ناصر 56"، والمعروض عام 1996، محقّقاً نجاحاً كبيراً لأسباب عدّة، منها تركيزه على أشهر قليلة فقط من عام 1956، تسبق قرار الرئيس جمال عبد الناصر بـ"تأميم قناة السويس"، والظروف السياسية المحيطة به (القرار)، بالإضافة إلى الإعجاب والانبهار بالأداء المتقن لزكي لتلك الشخصية. هذا النجاح شجّع زكي على التعبير عن أحلامٍ عدّة ترتبط بـ"تشخيص" (بحسب وصفه) الرؤساء المصريين الثلاثة في أعمالٍ درامية، بالإضافة إلى المطرب عبد الحليم حافظ.

من هذه الأحلام، أُنجِز "أيام السادات" (2001) لمحمد خان الذي حقّق 12 مليون جنيه مصري كإيرادات، وهذا رقم يُعتبر حينها "عائداً ضخماً جداً" وغير متوقّع. انتظر زكي حتّى أيامه الأخيرة لتأدية دور عبد الحليم في "حليم" (2006) لشريف عرفة، وعرض العمل، المتواضع جداً، بعد وفاته، وظهرت آثار التعب والإرهاق عليه. بينما رفض الرئيس حسني مبارك أن يؤدّي زكي شخصيته في فيلم بعنوان "الضربة الجوية". "حليم" كان أيضاً من كتابة محفوظ عبد الرحمن، لكنّ الأثر الذي تركه كسيناريست في أعمال السِيَر وانتشارها حاضرٌ في مسلسل "أم كلثوم" (1999) لإنعام محمد علي مع صابرين الذي حقّق نجاحاً استثنائياً، نظراً إلى المحاولة المخلصة في تناول سيرة الست، الممتلئة طوال 70 عاماً. هي سيرة فيها عشرات الشخصيات الحقيقية لكتّاب ومطربين وممثلين وسياسيين، ونجاحه عائدٌ إلى جدّية صنّاعه أيضاً. منذ ذلك الوقت، صار ممثلون مصريون كثيرون يريدون تأدية شخصيات حقيقية تتماس مع التاريخ.

باستثناء الفاجومي خلال العقدين الأخيرين، لم تشهد السينما رواجاً لأفلامِ السِيَر. فباستثناء "الفاجومي" (2011) لعصام الشمّاع مع خالد الصاوي، عن الشاعر أحمد فؤاد نجم، لا توجد أفلام سِيَر أخرى. لكن الرواج الشديد تلفزيوني، مع عشرات الأعمال التي تتناول حيوات حقيقية لفنانين، كـ"السندريلا" (2006) لسمير سيف، عن سعاد حسني (منى زكي)؛ و"العندليب حكاية شعب" (2006) لجمال عبد الحميد، عن عبد الحليم حافظ (شادي شامل)؛ و"أسمهان" (2008) لشوقي الماجري مع السورية سلاف فواخرجي؛ و"أبو ضحكة جنان" (2009) لمحمد عبد العزيز، عن إسماعيل ياسين (أشرف عبد الباقي)؛ و"أنا قلبي دليلي" (2009) لمحمد زهير رجب، عن ليلى مراد (صفاء سلطان)؛ و"كاريوكا" (2012) لعمر الشيخ، عن تحية كاريوكا (وفاء عامر)؛ و"أهل الهوى" (2013) لعمر عبد العزيز، عن الشاعر بيرم التونسي (فاروق الفيشاوي) والمطرب سيد درويش (إيمان البحر درويش)، وغيرها.

أيّ من تلك الأعمال لم ينجح إطلاقاً، لأسباب عدّة: أوّلها وأهمها، أنّ هناك دائماً حالة من الملائكية في تناول الشخصية، خوفاً من الملاحقة القضائية من قِبَل ورثتها الحقيقية، أو حتى من الرقابة على المصنّفات الفنية، ما جعلها أعمالاً آمنة وغير صادقة، لا يشعر الجمهور أبداً في أنّ هذا حدث فعلاً، ولا يمكن أبداً أنْ تكون الشخصيات "مثالية" إلى تلك الدرجة في الواقع. درامياً، لا توجد صراعات حقيقية، فالشخصيات كلّها "خيّرة".

ثانياً: لم تتحلّ الأعمال بالجهد والدقّة، ولم تحمل وجهة نظر حقيقية إزاء الأشخاص، فكانت مجرّد نمائم وتجميع حكايات، دارت كلّها في فلك "رحلة الصعود" والنجومية والكفاح، ما جعلها مكرّرة وغير مميّزة.

ثالثاً: أحياناً كثيرة، هناك فرق شكلي ضخم بين الممثلين المختارين والشخصيات. إذْ كيف يقتنع الجمهور أنّ خالد الصاوي، بطوله وضخامته، هو أحمد فؤاد نجم، ذو الجسد الضئيل؟ ما الذي يجمع بين أشرف عبد الباقي واسماعيل ياسين شكلاً؟ لماذا تؤدّي وفاء عامر دور تحية كاريوكا؟ في الأدوار المساندة، تزداد الكوارث، ما يصنع عدم اقتناعٍ. رابعاً: بعيداً حتّى عن "الشَبه" بين الممثل والشخصية، الأداء مهتمّ دائماً بتقليد الشخصية الحقيقية، من دون محاولة فهمها أو الغوص أكثر في نفسيّتها، فكانت الأعمال كاريكاتورية. لذلك، فشلت تماماً الأعمال التلفزيونية عن الفنانين.

سينما ودراما
التحديثات الحية

وكان هناك مسلسلان يمكن اعتبارهما استثناءً، له أسبابه. السياسة تنتصر على عكس أعمال السِيَر الفنية، التي تغلب عليها النميمة، هناك مسلسلان عن شخصيتين سياسيتين، ميزتهما الحقيقية على المستوى الفني، وهو جيّد فعلاً، تكمن في امتلاك صنّاعمها وجهة نظر، ما يتيح مساحة من النقاش. الأول هو "الملك فاروق" (2007) للسوري حاتم علي، عن حياة آخر ملك حكم مصر قبل "ثورة يوليو 52". إلى الدقّة التاريخية والفنية في تفاصيل العمل، ولكونه دراما جيّدة، فإن بعض نجاحه ارتبط بالجدل السياسي والتاريخي عن فاروق (السوري تيّم حسن)، الذي كانت صورته منذ الخمسينيات الماضية أنّه ملك مُرفّه ومهتمّ بالنساء، وأنّه خاضع للإنكليز، بينما قدّم المسلسل رؤية ذات أبعاد متعدّدة لشخصه وحكمه والفترة التاريخية التي عاشها. رؤية تحتمل الاتفاق أو الاختلاف، لكنّها جادّة ومهمّة. الثاني هو "الجماعة" (2010) لمحمد ياسين، كتابة وحيد حامد.

عمل مهمّ جداً على مستويين: فنّياً، رفع سقف الأعمال التلفزيونية بجودة غير مسبوقة تقارب السينما؛ وسياسياً، كان تناوله سيرة حسن البنا، مؤسّس "جماعة الإخوان المسلمين"، بشكلٍ غير مسبوق في التلفزيون، حيث ظلّت "الجماعة" تُعامل في الإعلام الرسمي كأنّها غير موجودة، بينما أثار العمل نقاشاً وحثّ على أفكارٍ وحِراكٍ، قبل أشهر قليلة على اندلاع "ثورة يناير" (2011)، وازداد الأمر قوّة بعد دخول "الإخوان" إلى الحياة السياسية، ووصولهم إلى حكم مصر عام 2012. المقبل أفضل أم أسوأ؟ لن يتوقّف إنتاج أعمال السِيَر قريباً. ففي رمضان 2021، سيكون هناك أكثر من مسلسل عن شخصيات حقيقية، أوّلها "الإمبراطور" الذي يؤدّي فيه محمد رمضان شخصية أحمد زكي. لكن السؤال الأهمّ: هل سيتعلّم، وتتعلّم المسلسلات الأخرى، من فشل ما سبقها، أو من نجاح "أم كلثوم" قبل 20 عاماً؟ أم أنّ الجديد سيكون تكراراً للمحاولة الكاريكاتورية في التقليد والنميمة الفنية؟

المساهمون