مدرسة في إدلب جمعت سوريين ففرّقتهم الحرب

جلال بكور
عامر السيد علي
22 يوليو 2019
+ الخط -

بين بنش والفوعة في محافظة إدلب السورية، كانت تقع تلك المدرسة التي هُجرت ودُمّرت بعدما طاولتها القذائف من كل حدب وصوب. هي مدرسة "ممدوح شعيب" وكانت في يوم من الأيام تجمع أهالي بنش المعارضين للنظام السوري وأهالي الفوعة الموالين له. قبل الحرب في البلاد، لطالما مثّلت تلك المدرسة صلة وصل بين أبناء البلدتَين، وخرّجت آلافاً قصدوا الجامعات على مدى عقود من الزمن. أمّا بعدها، فقد تحوّلت المدرسة إلى جبهة حرب مفتوحة بين المنطقتَين، لا سيّما أنّ أهالي الفوعة بمعظمهم ناصروا النظام، علماً أنّ مراكز عدّة تابعة له أنشئت هناك.

عاهد جمالو واحد من التلاميذ وكذلك المدرّسين الذين قصدوا مدرسة "ممدوح شعيب". هو من أهالي بنش التي تُعَدّ من مراكز ثقل الثورة السورية ضدّ النظام، وقد عمد إلى التدريس في تلك المدرسة بعدما تابع تعليمه في صفوفها. يقول جمالو لـ"العربي الجديد" إنّ "مدرسة ممدوح شعيب خرّجت متفوّقين كثيرين أكملوا دراستهم في الجامعات السورية وغيرها من الجامعات ليصيروا أطباء ومهندسين وفنيين ومدرّسين وضباطاً في الجيش والشرطة، وهم يعملون اليوم في مناطق مختلفة. من بين هؤلاء معارضون للنظام وآخرون موالون له". يضيف جمالو أنّ "المدرسة وقبل توقّفها عن العمل كانت تجمع أهالي المنطقتَين، فكنّا نجلس على المقعد نفسه، من دون أن نكون موالين ولا معارضين. كنّا أهلاً وأصدقاء وزملاء دراسة وعمل وأبناء وطن واحد. لكنّنا للأسف، صرنا بعد ذلك معارضين للنظام أو موالين له. ذلك النظام تسبّب في الشقاق بيننا".

ويخبر جمالو: "في عام 1983، دخلت مدرسة ممدوح شعيب وتخرّجت منها في عام 1989. وهي كانت في ذلك الوقت وحتى توقّفها عن العمل، تستقبل تلاميذ ومدرّسين من مختلف مناطق إدلب، وتحديداً من الفوعة. لكنّ المدرسة تحوّلت في ما بعد إلى نقطة اشتباك. وبعدما كنّا نؤدّي في صباح كل يوم تحيّة العلم، صرنا نشعر بالخوف عندما نرى ذلك العلم ونذكر الموت والقصف والدمار. هو صار مصدر قلق بالنسبة إلينا". ويشير جمالو إلى أنّ "هذه المدرسة دمّرت بطيران دفع ثمنه الشعب السوري سواء أكان معارضاً أم موالياً"، متابعاً أنّ "أهل الفوعة اليوم رحلوا من هنا وفقاً لمخططات النظام، وأهل بنش يلملمون جراحهم، فيما المدرسة دُمّرت". ويوضح جمالو أنّ "أهل الفوعة وكفريا المجاورة لها غادروا المنطقة بناءً على اتفاق تمّ بين النظام والمعارضة برعاية حلفاء الطرفَين نصّ على تهجير سكان البلدتَين في مقابل تهجير سكان معارضين للنظام من ريف دمشق وجنوب دمشق".




في بداية أيام الثورة السورية، علّق ناشطون على امتداد جدار مدرسة ممدوح شعيب الذي يبلغ نحو خمسين متراً في منتصف الطريق بين بنش والفوعة، لافتات ضخمة كُتب عليها "أهل الفوعة أهلنا"، في محاولة منهم لجعل المدرسة التي جمعت أهالي البلدتَين مكاناً لنشر ثقافة السلام. لكنّ التحريض الذي قام به عناصر من أمن النظام من جهة ومن أخرى متشددون أفشل تلك المحاولات، خصوصاً بعد عمليات خطف متبادلة بين البلدتَين، فراحت المدرسة تتحوّل شيئاً فشيئاً إلى نقطة اشتباك تفصل بين جبهتَي قتال البلدتَين بعدما كانت نقطة التقاء بينهما".

من جهته، يقول أيمن حمادي وهو من سكان مدينة بنش لـ"العربي الجديد": "تابعت تعليمي في مدرسة ممدوح شعيب في خلال المرحلة الإعدادية وبداية المرحلة الثانوية، وكان زملاء الدراسة بمعظمهم من الفوعة. وفي خلال الثورة انخرطت في صفوف إحدى الفصائل المسلحة ووجدت نفسي مرابطاً في مدرستي التي تعلّمت فيها ومراقباً لتحركات العدوّ في الطرف الآخر، الذي ربما كان زميلاً لي في المدرسة يوماً ما". يضيف حمادي أنّ "ثمّة مشاعر متناقضة تنتابك وأنت ترابط في مدرستك لتمنع تسلل من كانوا يوماً رفاقك فيها. في بعض الأحيان، كنت أتخيّل الأمر أشبه بلعبة، لكنّني سرعان ما أعود إلى الواقع مع سقوط قذيفة وقتل أحد أبناء بلدتي ومصدرها من هم خلف تلك المدرسة".



أمّا محمد أحد السكان المهجرين من الفوعة، فيؤكد لـ"العربي الجديد" أنّه خسر أهله وأملاكه في "حرب لا ناقة لي فيها ولا جمل. واليوم أعيش مع عائلتي في أحد مراكز الإيواء في حسياء (حمص)". وعن مدرسة "ممدوح شعيب" يقول محمد: "تابعت فيها المرحلة الثانوية وتعرّفت من خلالها على كثيرين من أهالي إدلب وأقمت علاقات معهم. لكنّ الحرب أتت لتمسح كل شيء".


ذات صلة

الصورة
وقفة في ادلب للتضامن مع أطفال سورية بمناسبة يوم الطفل العالمي (العربي الجديد)

مجتمع

نفّذ عشرات الأطفال في محافظة إدلب، شمال غربي سورية، الجمعة، وقفة للتضامن مع الأطفال السوريين الذين ارتكبت بحقهم انتهاكات من قبل النظام السوري وحلفائه، وذلك بمناسبة يوم "الطفل العالمي".
الصورة
النازحون يعانون في فصل الشتاء (اسرا هاسيوغلو/ الأناضول)

مجتمع

خلف وزكية السمارة زوجان من قرية التح في ريف إدلب الجنوبي شمال غربي سورية، نزحا ليقيما في "مخيم التح"، 14 كيلومتراً شمال غرب مدينة إدلب.
الصورة
سياسة/وليد المعلم/(لؤي بشارة/فرانس برس)

سياسة

تزامنت وفاة وليد المعلّم وزير الخارجية في حكومة النظام السوري، مع مرور نصف قرن على ولادة نظام الأسدين المتهالك تحت وطأة عقوبات وحصار إقليمي ودولي منذ عام 2011، الذي شهد انطلاق الثورة السورية التي واجهها هذا النظام عسكريا من خلال جيشه وأجهزته الأمنية،
الصورة

سياسة

عدما ولد ضعيفاً، بات اتفاق إدلب الذي تمّ التوصل إليه بين موسكو وأنقرة قبل 8 أشهر، عرضة للانهيار. وفيما تسود تكهنات حول بحث الطرفين تفاهمات جديدة، يكثف النظام القصف، وسط برودة تركية وغطاء روسي.