متى يرسو لبنان بعد حرق المرفأ؟

10 اغسطس 2020
الصورة

أزمة لبنان مستمرة قبل انفجار مرفأ بيروت، وتواجه الطبقة السياسية برمّتها مأزقاً مزدوجاً منذ نحو عامين، بعد أن فقد الساسة من مختلف التيارات ثقة الشارع اللبناني، وفشلت مؤسسات الحكم المتكونة من تلك التيارات ذاتها في إدارة شؤون الدولة والمجتمع، خصوصاً في الجانب الاقتصادي. وبعد أن زاد الانفجار أوضاع لبنان سوءاً وتدهوراً، رأى لبنانيون، في زيارة الرئيس الفرنسي، إيمانويل ماكرون، طوق النجاة من الغرق، بعد تصريحه "دعم فرنسا لبنان لن يوضع بين أيدي الفاسدين". كما لو كان ماكرون يحمل عصا سحرية، يرفع بها أنقاض بيروت، ويعيد موتاها إلى الحياة، أو أن بلاده تملك قدرات استثنائية تخوّلها تطهير لبنان من الفساد وتغيير آليات الحكم فيه.
خطوة ماكرون رمزية أكثر منها عملية. هدفها التضامن المعنوي، والدعوة إلى تغيير وتطوير في الحياة السياسية اللبنانية. هذا ليس تصرّفاً أو قراراً، وإنما فقط موقف فرضته اللحظة المأساوية أو ربما يتمناه ماكرون، لكن فرنسا لا تملك أدوات ولا مؤهلات تنفيذه بمفردها. ولا تغيير في لبنان من دون توافق، بل اتفاق واضح ومحدد بين القوى الكبرى في العالم، ومعها القوى الإقليمية الرئيسية. وشروط هذا التوافق شديدة الصعوبة والتعقيد، فبعد أيام من الانفجار، لا يزال الخلاف قائماً داخل الإدارة الأميركية حول توصيف الانفجار وتفسير أسبابه، فلا توافق دوليا ينتظر إذا كانت دوائر القرار داخل دولة واحدة ليست على رأي واحد.
أقصى ما ستقوم به فرنسا دعوة الدول المانحة إلى مؤتمر جديد لدعم لبنان وإنقاذ اقتصاده من الانهيار. وهي خطوة كانت محل نقاش وبحث من قبل، لكنها أصبحت أكثر إلحاحاً، وقد صارت شروطها أسهل بالنسبة إلى كل الأطراف المانحة، بعد الخراب الواسع بسبب الانفجار.
إقليمياً، سيختلف السيناريو حسب طبيعة الحادث، فإنْ كان عرضياً، ستتبلور حالةٌ من التعاطف، وبالتالي اللين والتهدئة بين القوى المتناحرة إقليمياً، تحديداً إيران والسعودية. وهو ما قد ينعكس انفراجة داخل لبنان، من خلال الإيعاز لوكلاء طهران وحلفاء الرياض، بقدرٍ من المرونة والتفاهم لتخفيف وطأة الكارثة اقتصادياً، وتنفيس الاحتقان السياسي الحاصل. أما إن كان الانفجار نتيجة عملية مدبرة، فسيتحول المشهد إلى قنبلة موقوتة، لن يمنع انفجارها سوى تنازلاتٍ مهمة ومؤلمة، يقدّمها الطرف المسؤول المتورّط في العملية. وهو ما يعني مزيداً من الانقسام والاستقطاب في الإقليم، وبالطبع داخل لبنان.
التطورات كلها مرهونة بنتيجة التحقيقات واكتشاف طبيعة الانفجار. وفي التاريخ اللبناني حالات كثيرة متكرّرة من العمليات والحوادث الخطيرة التي لا يُعرف مرتكبوها أو مدبروها، أو على الأقل لا يتم الإعلان عنهم رسمياً. لذا يصعب توقع أن يُفضي الحادث إلى تغير جذري في الساحة السياسية اللبنانية، في المدى القصير. بينما سيكون للحراك الشعبي اللبناني وعودة الاحتجاجات الشعبية إلى الشارع، دور جوهري في توجيه بوصلة المستقبل السياسي في لبنان. ويكفي تأكيداً لذلك، تأمّل رد النائب اللبناني، أنور جمعة، عن "كتلة الوفاء للمقاومة" التابعة لحزب الله، على تصريحات ماكرون بشأن الوضع السياسي، قال "إن تغيير النظام السياسي (اتفاق الطائف) لا يُفرض من رئيس دولة خارجية، ومن شأنه أن يعيدنا إلى الحرب الأهلية".
المغزى الحقيقي لهذا الخطاب وكل تلك المعطيات أن الحراك الشعبي وإصرار الشارع اللبناني على دفع القوى الداخلية والأطراف الخارجية إلى مراجعة منظومة الحكم وقواعد إدارة الدولة وحده السبيل إلى إنقاذ لبنان من التيه. أما إذا ظلت أموره بين أيدي الساسة بانتماءاتهم الطائفية وولاءاتهم الخارجية ومصالحهم الشخصية، فلا مرفأ يرسو إليه اللبنانيون، مهما طال الزمن.