مئوية فيروز

04 سبتمبر 2020
الصورة

ماكرون يزور فيروز في منزلها في بيروت (حساب ريما رحباني في تويتر)

ذهب الرئيس الفرنسي، إيمانويل ماكرون، إلى لبنان من أجل المشاركة في احتفال مئوية لبنان الكبير التي صادفت في الأول من سبتمبر/ أيلول الحالي، إلا أنه حرص على أن تبدأ زيارته الثانية لبيروت، خلال شهر، بمنزل الفنانة فيروز. بعد أن استقبله الرئيس ميشال عون في المطار، توجه ماكرون إلى بيت فيروز في الرابية، حيث أمضى ساعة وربع ساعة، وقلّدها أرفع وسام فرنسي، جوقة الشرف. وقال، بعيد خروجه: "السيدة فيروز أيقونة، ولها مكانة خاصة بقلوب الفرنسيين، واللقاء كان استثنائياً". لهذه الالتفاتة وقعها الرمزي المؤثر في هذا الظرف الذي يمرّ به لبنان، بعد انفجار مرفأ بيروت في الشهر الماضي، الذي خلّف عدداً كبيراً من الضحايا البشرية ودماراً هائلاً في العمران والبنى التحتية.

وكسر ماكرون البروتوكول المتعارف عليه، الذي يقوم عادة على لقاءات ذات طابع رسمي في بداية كل زيارة رسمية، وتوجّه إلى بيت السيدة فيروز، ابنة المدرسة الرحبانية الغنائية التي ساهمت كثيراً في بناء صورة لبنان الفن والثقافة والشعر والموسيقى. تصرّف ماكرون من دون تكلّف، وكأنه من أهل البيت، وكان همّه أن يؤكد أن للزيارة جانباً ثقافياً لا تستطيع فرنسا أن تسقطه من حسابها، ولذا رفع الكلفة البروتوكولية وقصد بيت فيروز، بدل أن يجتمع مع الرئيس عون الذي استقبله في مطار بيروت، أو يلتقي الأقطاب السياسيين الذين اجتمع بهم في زيارته الماضية، وخرج بانطباع أنهم سبب خراب لبنان.

للزيارة معانٍ كثيرة. أهمها أن فيروز تتمتع بمكانة خاصة في فرنسا ولدى الرئيس الفرنسي الذي أراد من تكريمها أن يوصل عدة رسائل إلى اللبنانيين وغير اللبنانين، منها أنه ينظر إلى الفن والثقافة على نحو مختلف عن بقية السياسيين. وبالتالي، فإن لبنان الثقافي والفني محل تقدير واحترام، وهذه رسالة موجهة إلى حكام لبنان الذين لا وزن للثقافة في حساباتهم، ولا حتى من بين الاهتمامات الرسمية اللبنانية منذ زمن عيّن فيه رئيس الوزراء الأسبق رفيق الحريري، غسان سلامة وزيراً للثقافة (2000 - 2003) للنهوض بسنة لبنان عاصمةً ثقافيةً للفرانكوفونية. والأمثلة لا تُحصى على تراجع دور الثقافة والمثقفين في هذا البلد، ولعل أبرزها أن لا أحد من بين المثقفين اللبنانيين يعرف اسم وزير الثقافة الحالي، في وقت تراجع فيه النشر وصناعة الكتاب، وتوقفت كبريات الصحف عن الصدور (السفير)، أو تحولت إلى مواقع إلكترونية صفراء (النهار).

مؤكّد أن تصرّف ماكرون لم يرُق لبنانيين كثيرين ينتظرون منه أن يحمل لبلدهم حلولاً سحرية، وربما خاب أمل قطاع من الشارع اللبناني كان ينتظر من فرنسا أن تأخذ مسألة إنقاذ لبنان على عاتقها، خصوصاً أن ماكرون أجزل الوعود للبنانيين في زيارته الماضية، إلا أنه مهما قدمت فرنسا، فإنها عاجزة عن تحقيق معجزةٍ توازي معجزة الجنرال غورو قبل قرن، حين أعلن ولادة لبنان الكبير. ولا بد من الاعتراف بأن مصاعب لبنان كبيرة إلى حدّ أن دولة واحدة، حتى لو كانت فرنسا، لا تستطيع حلها، وأن لبنان نفسه غير قادر على مساعدة نفسه بسبب التدخلات الإقليمية، وأهمها تدخل إيران، وحزب الله وسلاحه الذي يُعَدّ إحدى العقبات أمام استعادة سلطة الدولة اللبنانية.

تبقى الإشارة إلى أن التفاتة ماكرون تجاه فيروز ليست الأولى من رؤساء فرنسا تجاه لبنان الثقافة، حيث سبق للرئيس الأسبق، جاك شيراك، أن طلب من الكاتب أمين معلوف مرافقته في زيارة لبيروت. وحسب معلوف، أراد شيراك تسليط الضوء على الثقافة وموقع لبنان الثقافي في فرنسا.

فيروز منسيّة من زعماء لبنان، لم يتذكّرها أحد منذ زمن طويل، وجاء ماكرون ليطرق باب النسيان، كما لو أنه شخصية رحبانية تأتي من الحلم.