مؤتمر الشباب في مصر والحوار المفقود

31 مارس 2019
الصورة
لم تختلف موضوعات مؤتمر الشباب العربي الأفريقي، الذي عقد ثلاثة أيام في مدينة أسوان جنوب مصر، عما طرح في مؤتمرات الشباب السابقة. الاختلاف في المسمى والمكان، بينما ظلت خطابات التخويف من شبكات التواصل الاجتماعي، بوصفها تهدم الدول، وتكرار طرح مشكلاتٍ تتعلق بالإرهاب، وربطه بشكل متكرّر بالانتفاضات التي شهدتها المنطقة العربية، واعتبار الإرهاب والانتفاضات خطرين يهدمان الدول، ويعطلان مساعي التنمية.
وفي تكرار الموضوعات نفسها، تم طرح تمكين رواد الأعمال وأصحاب الابتكارات من الشباب، وكأن السلطة تضع هذه النماذج في تضاد مع الشباب الذين سعوا إلى تحقيق حلمهم في تحرير بلادهم من الاستبداد والسلطوية والتخلف. وتصنع مقابلة بين الشباب الذين يسعون إلى تحقيق أحلامهم الفردية في بناء شركات، أو إقامة مشروعات خاصة، مع الذين امتلكوا حلما جماعيا بتنمية المجتمع ككل، وهذه مقابلة زائفة، تحاول أن تحصر الشباب في همومهم الذاتية من جانب، وإبعادهم عن التفكير في مجمل ما يحيط بهم من أزمات. كما تصوّر هذه المقابلة أن الحلم الذاتي ممكن التحقق، في ظل مجمل الأوضاع البائسة من تدهور اقتصادي وعجز إداري وسيادة نمط سياسي تسلطي، أنها المحاولات البائسة نفسها التي تحاول ترويج الحلم الفردي بوصفه منقذا للإنسان، مهما كانت هناك عوائق لتحقيق الأحلام الفردية. كما أن هذه المقابلة خادعة، فالذين ثاروا من أجل أوطانهم كانت لهم أحلام فردية وذاتية بالتأكيد، تختلف في حدودها وشكلها، لكن الواقع صدمهم، وأدركوا أن لا إمكانية للقدرة على تحقيق أحلامهم، على تنوعها، في ظل نظم الفساد والاستبداد، وهو ما تثبته كل يوم المؤشرات في مصر وغيرها بشأن معدلات البطالة، وتراجع التشغيل وفرص العمل، الناتجة من بؤس (وإخفاقات) النماذج الاقتصادية التي تراكم الإفقار وتنتج البطالة، وتستبدل ضروريات التنمية بإنفاق مالي على استثماراتٍ لا طائل منها.
وهنا لا يستهجن المتابع العنوان المتفائل عن أهمية وجود تعاون عربي أفريقي، حسب ما جاء 
في المؤتمر، ولا يلغي أهمية أن تقوي مصر علاقتها بمحيطيها، الأفريقي والعربي، وأن يحدث تعاون في مجالات عديدة. ولكن كل هذه الشعارات لا قيمة ولا معنى لها إذا لم تتوفر سبل تحقيقها، ولذا لم تكن تلك العناوين غير أداة للدعاية، فمكانة مصر ودورها المهم في أفريقيا، في فترة مضت، ارتبطا أساسا بسياستها الاقتصادية ومواقفها السياسية، والتي لا تمكن مقارنتها بما يجري الآن. لذا، الأماني في وجود تعاون مصري عربي أفريقى لا محل لها، طالما بقيت سياسات النظام كما هي.
من مؤتمرات الشباب المصري إلى مؤتمر شباب العالم، وصولا إلى مؤتمر الشباب العربي الأفريقي، لا نلحظ سوى منصّات للدعاية، ومحاولات للهرب المتكرّر من مناقشة القضايا الحقيقية إلى طرح عموميات وشعارات دعائية، خصوصا حين بدا لمنظمي المؤتمر، والقائمين عليه، أن النقاش في قضايا جادة، مثل قضية الحق في التظاهر والديمقراطية والفساد وغلاء الأسعار وغيرها لم يعجب السلطة. وقد لوحظ، في المؤتمرات الثلاثة الأولى، أن بعض خطابات الشباب المصري بشأن القضايا المحلية غير مرحب بها، على الرغم من أن المشاركين فيها، ومن طرحوا تلك القضايا، هم أبناء النظام بشكل عام، حتى وإن انتمى بعضهم إلى أحزاب "المعارضة".
وفي مؤتمرات الشباب الأولى، طرحت مطالب الإفراج عن المعتقلين. حينها أقر النظام بأن كثيرين منهم غير مذنبين. لكن هؤلاء غير المذنبين ما زالوا في السجون، بل ينضم إليهم، في حملات اعتقالٍ متكرّرة، سجناء جدد، ولم يحدث تغير في ما يتعلق بقضية الحريات، بما فيها كفالة الحق في التظاهر والتعبير، كما لم يعدل قانون التظاهر أو الجمعيات الأهلية، على الرغم من الوعود المتكرّرة بتعديل التشريعَين.
لا حاجة إلى تأكيد أن أهم أهداف هذه المؤتمرات رسم صورة ذهنية عن النظام أنه يتحاور مع 
الشباب، وأنه قادر على استيعابهم، بل قادر أيضا على أن يدير حوارا أمميا من خلال مؤتمر شباب العالم، أو حوارا عربيا أفريقيا، كما روج في المؤتمر الأخير. وليس أدل على دور هذه المؤتمرات أكثر مما طرحه الرئيس المصري، عبد الفتاح السيسي، في تواصل الدولة مع الشباب. وإذ يتصف هذا الطرح بالمصارحة، إلا أنه يعد أيضا اعترافا بأن هناك مشكلة ما بين النظام والقوى الشبابية في مصر، ولكن هذه المؤتمرات لن تحلها، فأسبابها أعمق من فكرة الحوار، وأساس رفض الشباب النظام نابع من سياسات الأخير التي تتناقض مع ما حلموا به وما يرجونه، بالإضافة إلى أن شباب تلك المؤتمرات هم أبناء السلطة، وخرّيجو البرنامج الرئاسي لتدريب القيادات، ويتم اختيارهم بعناية، فليس هؤلاء هم الذين يمثلون شباب مصر، بل يرى أغلبهم في التقرّب من السلطة طريقا لتحقيق أحلامهم الذاتية.
الحوار المفقود بين الشباب المصري والنظام في بلدهم، ورفض أغلب كتلهم هذا النظام، محصلة نهائية وطبيعية لسياساته. وليس الشباب وحدهم الذين لا يتفاعلون مع السلطة، أو يرفضونها نتاج تضرّرهم من سياساتها، لكنهم الأكثر حساسية وتمرّدا ورغبة في التغير، بحكم خصائصهم النفسية والثقافية والاجتماعية، وأنهم في الأساس يريدون أن يعيشوا مستقبلا أفضل، لكن مجمل الأوضاع القائمة لا يسمح لهم بمستقبل وحياة كريمين، وهذه الأوضاع هي ما تشكل مواقفهم، وتُحدث فيهم حالة الرفض تجاه النظام.
تعليق: