ليبيا: اشتباكات طرابلس تعكس إشكالات "الصخيرات" ومصاعب حكومة الوفاق

ليبيا: اشتباكات طرابلس تعكس إشكالات "الصخيرات" ومصاعب حكومة الوفاق

04 ديسمبر 2016
عاد الهدوء إلى العاصمة أمس (عبدالله دوما/فرانس برس)
+ الخط -
استعادت العاصمة الليبية طرابلس، هدوءها الحذر، بعد يومين من اشتباكات عنيفة عكست الخلافات بين الفصائل المتواجدة في العاصمة من جهة، وحجم التحديات والإشكالات التي تعاني منها حكومة الوفاق من جهة أخرى، على الرغم من مرور عام على توقيع الاتفاق السياسي الليبي في الصخيرات المغربية.

وكان من أهم ملاحق الاتفاق الموقّع بين الأطراف الليبية في 17 ديسمبر/كانون الأول من العام الماضي، بند متعلق بالترتيبات الأمنية التي سيضطلع بها المجلس الرئاسي لحكومة الوفاق. ومع قرب مرور عام على توقيع الاتفاق، لم يتمكن المجلس الرئاسي سوى من تأسيس لجنة للترتيبات الأمنية، اقتصر دورها على التواصل مع المجموعات المسلحة المنتشرة بكثافة في العاصمة طرابلس، لضمّها ضمن أجهزة حكومة الوفاق الأمنية والعسكرية.
كما رحّبت معظم المجموعات المسلحة في العاصمة بالاتفاق السياسي وبحكومة الوفاق، التي تمكنت من دخول طرابلس في مارس/آذار الماضي، لتنضم أغلب تلك المجموعات تحت لوائي وزارة الداخلية والدفاع في الحكومة. ومع مرور الوقت تبيّن أن وجود هذه المجموعات ضمن الجسم السياسي الجديد، لم يتعدّ رفعها لشعاراته على أبواب مقراتها.

العديد من هذه المجموعات المسلحة اتخذت أسماء جديدة، مثل الأمن المركزي وجهاز مكافحة الجريمة وقوة التدخل السريع والحرس الوطني وغيرها، ووضعت جميعها شعارات حكومة الوفاق على واجهات مقراتها.
لم يدم الأمر سوى وقتٍ قصير، إذ سرعان ما دبّت الخلافات بين هذه المجموعات في أغسطس/آب الماضي، حين قامت "كتيبة ثوار طرابلس" (تحوّل اسمها إلى جهاز مكافحة الجريمة تارة وإلى الأمن المركزي تارة أخرى) بزعامة هيثم التاجوري، والتي ينتمي معظم مقاتليها إلى العاصمة، بالهجوم على مقرات الاستخبارات في منطقة الفرناج وعين زارة. وأعقب ذلك اشتباكات أخرى في أكثر من موقع وحي، أبرزها اشتباكات في تاجوراء وأخرى في قرقارش وجنزور.

ومع حلول شهر سبتمبر/أيلول الماضي، بدا جلياً أن الخلاف بين هذه المجموعات المسلحة بدأ يتضح، مع مطالبة المجموعات المسلّحة المنتمية للمدينة، وهي جهاز مكافحة الجريمة (كتيبة ثوار طرابلس)، والأمن المركزي (كتيبة غنيوة الككلي أبوسليم)، وكتيبة النواصي (قوة الردع بقاعدة امعيتيقة)، بخروج كل الكتائب الآتية من خارج المدينة، وتحديداً الكتائب المنحدرة من مصراته، التي تسيطر على عدد من المقارّ العسكرية، لا سيما في وادي الربيع، جنوب شرقي العاصمة.

بعدها، استمرت الخلافات على أساس جديد، أيديولوجي هذه المرة، وممثلاً في الكتائب ذات الخلفية الإسلامية والمقرّبة من دار الإفتاء في طرابلس، تحديداً لواء الحرس الوطني، الذي يبلغ عدد كتائبه ست كتائب موزعة في أكثر من حي ومنطقة في العاصمة.



ووفقاً لمراقبين، فإن قوة الردع التي تتخذ من قاعدة امعيتيقة مقراً لها، وينتمي قائدها عبد الرؤوف كاره وعناصرها للتيار المدخلي السلفي، على صلة مباشرة باعتقال العشرات من مسلّحي مجالس ثوار بنغازي ودرنة، الآتين لطرابلس. وهي مجالس تضم مقاتلين من هذه المدن، وتحظى بدعم واسع من قبل دار الإفتاء، التي طالبت أكثر من مرة بالتحقيق مع قوة الردع في ضلوعها في عمليات اعتقال واسعة لعناصر مجالس الشورى، لكن القوة اكتفت في كل مرة برفض هذه التهم.

وبعيد الإعلان عن مقتل الشخصية الدينية الأبرز في دار الإفتاء، الشيخ نادر العمراني، قبل أسبوعين، وتوارد أنباء عن تورّط قوة الردع في مقتله، تنادى عدد من قادة كتائب الثوار، التي شكّلت في وقت سابق أغلب مكونات عملية فجر ليبيا، للتحقيق في مقتل العمراني، معتبرين أن الإقدام على هذه الخطوة بمثابة "إعلان حرب على الثوار وداعميهم". مع العلم أن مفتي الديار الليبية الشيخ الصادق الغرياني ندّد بحادث مقتل العمراني، معتبراً أن "الاتفاق السياسي ومخرجاته، وعلى رأسها المجلس الرئاسي لحكومة الوفاق سبب في الفوضى التي طاولت البلاد". وأضاف الغرياني، في كلمة له مساء الخميس الماضي عبر قناة "التناصح" الفضائية، أن "المجتمع الدولي وعدنا باستبعاد الشخصيات الانقلابية كـ(اللواء خليفة) حفتر، عبر الاتفاق السياسي ولكنه لم يفعل". وطالب "الثوار بضرورة التكاتف ورص الصفوف من أجل الدفاع عن الثورة".

وفي السياق، دخل رئيس حكومة الإنقاذ السابق عمر الحاسي، على خط الأزمة يوم الخميس، بإعلانه عن تشكيل "المجلس الأعلى للثورة لمكافحة الجريمة السياسية"، معتبراً أن "المجلس سيضم صفوف الثوار وسيقاوم الجريمة السياسية المستشرية في البلاد التي أنتجها الاتفاق السياسي".

وكانت الخلافات قد بدأت مع الإعلان عن ائتلاف عسكري بين قوة الردع وكتيبة ثوار طرابلس وكتيبة الأمن المركزي، التابعة لكتيبة غنيوة الككلي أبوسليم. وهي كتائب تابعة لوزارة داخلية الوفاق، قامت من خلاله بمهاجمة مقرات عسكرية تابعة للحرس الوطني المقرب من دار الإفتاء وأحد المطالبين بالتحقيق في مقتل العمراني.

وبعد يومين من القتال تمكنت كتائب الردع وثوار طرابلس والأمن المركزي من السيطرة على مقر في غابة النصر وآخر بزاوية الدهماني، لينتهي القتال بالاتفاق على انسحاب كل المجموعات المسلحة إلى مقارها. وعلى الرغم من الاتفاق المعلن، إلا أن بيانات طرفي القتال لا تُنبئ بنهاية المواجهات العسكرية، فكتيبة ثوار طرابلس والأمن المركزي، اتهمت الحرس الوطني، بأنه "يمتلك مقراً عسكرياً في غابة النصر، يأوي عناصر متطرفة ويخزن مفخخات ومتفجرات يسعى من خلالها لزعزعة استقرار المدينة".

أما أحد قادة الحرس الوطني طارق دغمان، فاعتبر أن "هجوم الكتائب الثلاث على مقراته، جاء بعد ثبوت الدليل بضلوعها في مقتل الشيخ العمراني، للتعمية على الحادث وإبرازنا كجماعات تأوي متطرفين".
وفي خضم جميع هذه الأحداث اكتفى المجلس الرئاسي لحكومة الوفاق، ببيان شجب فيه الأحداث التي طاولت ممتلكات المدنيين، مطالباً بوقف فوري للقتال وكلف وزارة الداخلية بعمل الإجراءات اللازمة لوقف القتال.

الأحداث الدامية التي أعرب عن قلقه إزاءها كل من السفير البريطاني لدى ليبيا بيتر ميلت، والمبعوث الأممي إلى ليبيا مارتن كوبلر، عكست الضعف الكبير لحكومة الوفاق، وربما فشلها في السيطرة على الأوضاع في طرابلس، وهي التي لم تتمكن من الخروج من مقرها المؤقت داخل قاعدة عسكرية على شاطئ البحر. كما كشفت الأحداث أن حكومة الوفاق تورّطت بشكل أكبر بشرعنتها لهذه المجموعات المسلحة ضمن وزاراتها، من دون أن تتمكن من تغيير قادتها ودمج مقاتليها بشكل فردي ضمن أجهزتها في وزارتي الداخلية والدفاع.