لقاء البشير والسيسي بعيون سودانية: تفاؤل مشوب بالحذر

لقاء البشير والسيسي بعيون سودانية: تفاؤل مشوب بالحذر

03 فبراير 2018
من لقاء سابق بين السيسي والبشير (إبراهيم حميد/فرانس برس)
+ الخط -


لا يولي الكثير من السودانيين اهتماماً بما خرج به لقاء جمع في أديس أبابا الأحد الماضي، الرئيس السوداني عمر البشير، بنظيره المصري عبدالفتاح السيسي، والذي انتهى بتشكيل لجنة مشتركة تضم وزيري الخارجية ومديري الاستخبارات، بهدف وضع خارطة طريق لحلحلة المسائل الخلافية العالقة بين البلدين.
المواطن السوداني محمد أوهاج (35 عاماً)، الذي ينتمي لمنطقة حلايب المتنازع عليها، يقول لـ"العربي الجديد" إنه يؤمن تماماً بمقولة "إذا أردت أن تقتل قضية فشكّل لها لجنة لتنبثق منها لجان أخرى فرعية"، بالتالي هو غير متفائل بنتائج اللقاء الذي يرى أنه لن يصل إلى حلول عملية، خصوصاً حول منطقته المتنازع عليها. ويضيف: "اعتدنا تماماً على تشكيل مثل هذه اللجان في تاريخ العلاقة بين الخرطوم والقاهرة، من دون أن تكون هناك نتائج على أرض الواقع تطوي ملفات الخلاف".

والتقى البشير والسيسي الأحد الماضي، على هامش القمة الأفريقية في أديس أبابا، في أجواء مشبعة بالتوتر والقلق وفقدان الثقة، بعد ما أثاره السودان من وجود حشود عسكرية على الحدود مع إريتريا، بدعم مصري وإماراتي، قال إنها تستهدف فتح جبهة استنزاف جديدة ضد السودان، في الوقت الذي أثار فيه الإعلام المصري، قلقاً تجاه زيارة الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، إلى السودان، نهاية ديسمبر/كانون الأول الماضي، خصوصاً حيال الاتفاق السوداني التركي الذي تم في الزيارة بشأن جزيرة سواكن، وهو اتفاق فسره الإعلام المصري بأنه تهديد لأمن مصر عبر البوابة الجنوبية، وتهديد لأمن البحر الأحمر بصورة عامة.

وتمظهرت أجواء التوتر السوداني المصري، في الرابع من يناير/كانون الثاني الماضي، باستدعاء الحكومة السودانية سفيرها في القاهرة عبد المحمود عبد الحليم للتشاور، كما ذكرت حينها وزارة الخارجية السودانية، بينما فسرت مصادر أخرى القرار بأنه جاء كرد فعل، على هجوم الإعلام المصري على السودان، وعلى وجه الخصوص، على البشير.

ولا تعد التطورات الأخيرة وحدها المسيطرة على الخلافات السودانية-المصرية، فهناك ملفات أخرى لا تقل أهمية، كان لها دور محوري في ما وصلت إليه العلاقة بين الطرفين، تبدأ بالنزاع على حلايب، ولا تنتهي بالتباين في المواقف من سد النهضة الإثيوبي. والمراقب لتلك العلاقة يجد أيضاً أن التباين الأيديولوجي عامل في غاية الأهمية، خصوصاً بعد إزاحة وعزل "الإخوان المسلمين" من السلطة في مصر، إذ ترى القاهرة في الحكومة القائمة في الخرطوم امتداداً للتنظيم الدولي لـ"الإخوان"، وتعدّت ذلك الموقف في بعض الأحيان باتهام السودان بإيواء عناصر من جماعة "الإخوان" وتقديم الدعم لهم في كافة أشكاله.

يقابل هذا التوجس المصري، قلق سوداني يتعلق باتهام مصر بإيواء مجموعات معارضة سودانية. ليس ذلك فحسب، بل إن الرئيس السوداني اتهم مصر على الملأ في مايو/أيار الماضي بدعم الحركات المسلحة التي تقاتل في دارفور، وقدّمت الخرطوم بعد ذلك أدلة قالت إنها عملية، حينما عرضت مدرعات ومركبات مصرية ذكرت أن الحركات المسلحة استخدمتها في هجوم في ذلك الشهر على ولايتين سودانيتين.

يضاف أيضاً إلى الخلافات، كما تقول الخرطوم، تهرّب مصر من تطبيق اتفاق وُقّع بينهما عام 2004 يقضي بمنح الحرية لمواطني البلدين في التنقل والتجارة والإقامة والتملك، في ما بات يُعرف باتفاق الحريات الأربع. وتقول الخرطوم إنها طوال سنوات طويلة كانت ملتزمة بهذا الاتفاق، بينما ترددت القاهرة في التنفيذ لدواعٍ أمنية، خصوصاً في مجال حرية التنقل، إذ تُلزم السودانيين بالحصول على تأشيرة دخول، وفي أحيان كثيرة تمتنع عن تنفيذ بنود أخرى، وتعيد مواطنين سودانيين من مطار القاهرة إلى الخرطوم، كما فعلت مع عدد من الصحافيين السودانيين.

ويُعد التراشق الإعلامي المستمر بين الإعلاميين السودانيين والمصريين، ملمحاً آخر للأزمة. ويقول إعلاميون سودانيون إنهم دوماً ما يجدون أنفسهم في منصات الدفاع عن بلادهم، ولا يبادرون مطلقاً بالهجوم، في مقابل هجوم إعلامي مصري محسوب على الحكومة السودانية، لا يستثني حتى الشعب السوداني، وأحياناً باستخدام عبارات السخرية والتهكم والعنصرية.


وسط كل تلك الأجواء، جاء لقاء البشير والسيسي، الذي ما إن انتهى حتى اعتبره وزير الخارجية السوداني، إبراهيم غندور، لقاء تاريخياً يتسم بقدر كبير من الصراحة والوضوح. وأشار غندور إلى أن الرئيسين وجّها خلال اللقاء، وزيري الخارجية ومديري الاستخبارات بوضع خارطة تعيد العلاقة إلى مسارها الصحيح، وتحصّنها في المستقبل من أي إشكاليات.
ونفى غندور أن يكون اللقاء قد تناول موضوع الحشود العسكرية على الحدود مع إريتريا، وقال إن اللقاء انحصر فقط في العلاقات الثنائية بين البلدين ولم يتناول دولة ثالثة، ما يعني أيضاً وفق مراقبين أن اللقاء لم يتناول الاتفاق السوداني التركي بشأن جزيرة سواكن. وحول "الدور السلبي" للإعلام في مسيرة العلاقات بين البلدين، قال غندور إن الرئيسين وجّها الإعلام في البلدين بعدم تجاوز الحدود، والتعامل بقدسية مع العلاقات السودانية المصرية، وبعيداً عن أي مزايدات إعلامية.

أما التصريحات المصرية بشأن اللقاء، فقد جاءت بصورة أكثر عمومية ومن دون الدخول في التفاصيل، إذ ذكر بيان للرئاسة المصرية أن السيسي أكد خلال لقائه البشير مواصلة جهود تعزيز التعاون بين الدولتين، وحرص مصر على التشاور والتنسيق المتواصل مع السودان حيال مختلف المواضيع والملفات، لمواجهة التحديات المشتركة.
غير أن وزير الخارجية المصري سامح شكري، فتح في تصريحاته حول القمة، الباب واسعاً أمام عودة السفير السوداني إلى القاهرة، من دون أن يحدد موعداً زمنياً. لكن مصدراً دبلوماسياً يؤكد لـ"العربي الجديد" أن السفير السوداني لن يعود قريباً إلى القاهرة، محدداً موعداً أقله شهر، وهي المدة التي أقرها اجتماع آخر ضم إلى جانب البشير والسيسي، رئيس الوزراء الإثيوبي هايلي ميريام ديسالين، وكان الغرض من الاجتماع الثلاثي حل الخلافات حول سد النهضة.

غير أن البشير أطلق تصريحات من الطائرة التي أعادته من أديس أبابا إلى الخرطوم، لم تكن مفرطة في التشاؤم ولا في التفاؤل، حول مستقبل علاقة بلاده مع مصر، إذ قال للصحافيين الذين رافقوه في رحلته، إن السودان يفتح صدره لكل شقيقٍ يحترم سيادة السودان، ويعترف بحقه في رعاية مصالحه من دون المساس بمصالح الآخرين، مؤكداً أن السودان لا يريد تدهور علاقته مرة أخرى مع مصر، ومستعد للتعاون معها لأقصى الحدود، مع الاحتفاظ بحقه في استخدام الوسائل كافة التي تحمي مصالحه، بما في ذلك إغلاق الحدود إذا دعت الحاجة.

وتعليقاً على هذه التطورات، يقول أستاذ العلوم السياسية في جامعة النيلين، أحمد محمد الأمين، لـ"العربي الجديد"، إن الحراك الدبلوماسي الأخير بين مصر والسودان، وتحديداً مخرجات لقاء البشير والسيسي، يمكن أن تؤدي في نهاية المطاف إلى إنهاء التوتر بينهما، لا سيما إذا فكر البلدان في مصالحهما المشتركة. ويرى الأمين أن "الخلاف حول سد النهضة في حد ذاته خلاف غير موضوعي، فأمام الدول الثلاث خيار للاتفاق على تحويل مشروع السد إلى منفعة مشتركة كما حدث في أوروبا، حين تنازعت أكثر من دولة على منطقة الألزاس واللورين الغنية بالفحم الحجري، بيد أن الدول الأوروبية لم تتقاتل وتتنازع عليها، بل حوّلتها إلى منطقة منافع مشتركة، وهي التي وضعت بذرة الاتحاد الأوروبي بشكله الراهن".

في المقابل، يقول الخبير الاستراتيجي السوداني، أمين مجذوب، لـ"العربي الجديد"، إن اللقاء بين البشير والسيسي سيؤدي في النهاية إلى تغيير المواقف المصرية تجاه السودان، مستدلاً بتوقف الحملات الإعلامية المصرية ضد السودان، إضافة لتراجع القاهرة عن مقترح بسحب الخرطوم من مفاوضات سد النهضة، مشيراً إلى أن المطلوب المزيد من القاهرة، مثل الوصول إلى تسوية سياسية حول مثلث حلايب، ووقف دعم الحركات المسلحة.

أما رئيس تحرير صحيفة "السوداني" ضياء الدين بلال، فيؤكد لـ"العربي الجديد"، أن ما خرج به لقاء البشير والسيسي من تشكيل لجان مشتركة ودعوات للإعلام باحترام العلاقة بين البلدين وغيرها من النتائج، هي في النهاية مجرد تسكين للأزمة وليس علاجاً، مشيراً إلى أن الأزمة أساساً تقوم على المخاوف المصرية من سد النهضة، التي تُضخم المخاطر مع إقحام الملف حتى في اطار اللعبة السياسية داخل مصر. ويعتبر أن الخلاف في المواقف حول سد النهضة هو الناظم المركزي لكل التوترات الحالية بين الخرطوم والقاهرة.
وحول مخاطر التدهور الكلي في العلاقة بين البلدين، يرى بلال أن لمصر قدرة على الإضرار بالسودان اقتصادياً وأمنياً، كما يمتلك السودان القدرة على الإضرار بمصر، معتبراً أن ذلك يمكن حدوثه إذا دخل البلدان في سباق دعم المعارضات الداخلية.