لاءات عربية

لاءات عربية

10 سبتمبر 2019
+ الخط -
من الصعب الحديث عن الإصلاح في زمن غياب الصلاح. أمة تسعى إلى الإصلاح بنخب تسير وفق مخطط مسبوق وُضع من قبل، ظلت الحماية كما الاستعمار محرّكاً للتغيير، وفي الوقت نفسه، مهندساً لأشكال الحكم والسياسة، فقادة العالم العربي بعد الاستقلال كانوا أوفر حظاً من حكومات بلدان أخرى، سعت إلى إحداث تغيير كبير، ورسم خريطة توجهات مختلفة، أو تتناقض تماماً مع المستعمر. حظ العرب دفاع المستعمر عن مفهوم دولة تشكلت منقوصة السيادة... تلكم إذن هي حالة الدولة العربية. وحسب المعطيات التاريخية، تلقت الدولة العربية حماية كبرى وشاملة، ولم يتوقف الدعم الاستعماري إلا في حالات نادرة، ليعود وبطرق جديدة. 
ثارت مصر مثلا، واتخذ الحكم طابعاً تحررياَ عنوانه الاستقلالية في القرار السيادي، والاستقلال الاقتصادي، وبناء مجتمع يقوم على العدالة الاجتماعية والتنمية. ولكن مصر أنهت ثورتها التحرّرية بسقوط نظامها في براثن الرجعية والتخلف على كل الأصعدة. لم تقم لها دولة مستقلة، فعسكر المحروسة لم يكن واثقاً بأهمية الدولة المدنية، بل اختاروا نمطاً سياسياً يقوم على أيديولوجية التفرد بالحكم والسلطة. غابت الحكمة عن النظام، وتعطل مشروع الدولة، لتنتقل مصر إلى مجتمع منغلق. وعند حدوث ثورة 25 يناير في عام 2011، لم تتمكّن الدولة من التعاطي مع الوضع الجديد.
شعب خرج لأسباب معروفة ومعلومة وجد الدولة غير قادرة على التعاطي بحنكة مع مطالبه، بل وجّهته للعنف المرفوض من طرفه، العنف عنف الدولة، والشعب يمقته، لكن غباء أجهزة الدولة المسيرة أخرج الناس للقبول بالأمر الواقع الذي فُرض عليهم.
كان العنف وسيظل وجهة مفضلة للدولة العربية التي وجدت فيه اختياراً سهلاً لإرغام الكل على التماشي معه. المقلق جداً أن الدولة العربية نجحت إجمالاً في وضع العنف كأولوية من أولوياتها العامة والفضفاضة، مستغلة خوف الشعوب العربية والتزامها الأخلاقي بالسلم والركون إليه. فالدولة العربية، إذن، والتي لا تملك أفقاً ولا مشروعاً، أنشأت مشروعاً يقوم على العنف والاستغلال وتمجيد سلطة الاستبداد. ولذلك، سيعرف المواطن الدولة بأسلوبها وسلوكها: القتال والعنف والاستبداد، فهل الدولة بهذا المفهوم سعت لها ثورات أوروبا الغربية وقاومت من أجلها شعوب المنطقة.
الإجابة بالتأكيد: لا... للعالم العربي دولته الخاصة، ومنظوره الخاص. لا دولة تنبع من إرادة الشعب، ولا حكماً مدنياً، ولا ديمقراطية، بل على الشعب بنخبه المثقفة الواعية الجولان في الفكر السياسي المعاصر، وله الحق في أن يحلم ويرتقي بأحلامه، ويفترض وجود دولة.
لقد سعت الدولة العربية إلى وضع حد لأحلام الوحدة، والتكتل، والديمقراطية، والحكم العادل. كانت في سباق نحو فرض مزيد من الانغلاق على شعوبها، ومارست كل صنوف الإذلال. اخترقت حياتهم الضيقة، فألهمتهم ليفكروا وهم يعانون من الضيق.
F01BF109-CE84-49A7-B7DD-C4503D4FBCEE
محمد الأغظف بوية (المغرب)