كورونا .. النساء والرجال

26 مارس 2020
الصورة
+ الخط -
قبل الثورة النسوية، والتي باتَ عمرها اليوم قرنا تقريباً، المكان الطبيعي للنساء هو البيت. ومع هذا المكوث الإلزامي، مطلوب من النساء إتقان كل المهارات الخاصة بشؤون البيت؛ المهارات المنزلية، من الإنجاب إلى الطبخ. أما الرجال، فمجالهم هو الخارج. ومعه، ضلوعهم في فنون السياسة والحروب وكسب العيش. على حدّ ما كتبه مؤرخو هذا التقسيم للعمل بين الجنسين. هذا ما كانت رستْ عليه العلاقة بينهما منذ انتصار ثورة أسبق، تعود إلى ما يقارب الخمسة وثلاثين ألف سنة، هي الثورة الزراعية، وقد انتقل خلالها الإنسان من الصيد والقطاف إلى الزراعة، لكسب هذا العيش. وثمّة احتجاج على هذا التاريخ، وعلى هذا السياق. وثمّة نقاش مفتوح حول الاستثناءات، وأمثلة عن نقيض هذا التقسيم. ولكن المهم، أنه، عشية الثورة النسوية، في ذاكرتنا المدوّنة، كان الجنسان منفصلين، في الأمكنة والأدوار. 
وحصلت الثورة النسوية، وشيئاً فشيئاً، أخذت النساء تحتل المجال الخارجي، وتكتسب مع هذا الاحتلال المهارات التي تناسبه، أي مهارات الرجال. والتشبّه بالرجال، بعد غزو عالمهم، تماشى مع ارتداء النساء البنطلون، واحتلالهن تدريجياً تلك المواقع التي كنا نحتفل بها، عشية كورونا، بالكلمة السحرية: "أول امرأة.. تفكّ الحرف"، و"أول امرأة.."، طبيبة، أستاذة، معلمة، مهندسة، دكتورة، ثم رئيسة بلدية، نائبة، وزيرة، مستشارة، رئيسة وزراء، رئيسة جمهورية.. إذ وصل بالمرأة، بعد هذه الثورة، أن صارت تحكم، أي تتعاطى بالسياسة، تقود حروباً، تشرّع، وتفعل ما كان يفعله الرجال، في زمنهم. وذلك، على مستوى عالمي، يقوده الغرب، وخلفه نحن، أهل الشرق، نحذو حذوه.
ثم انفجر كوكبنا بفيروس كورونا. وصار مطلوبا من البشر أن يبقوا في بيوتهم، للوقاية منه. أكثر من مليار إنسان وجد كل واحد منهم نفسه فجأة بين أربعة جدران، لا عقاباً، إنما حماية. ماذا 
يعني هذا الحبس؟ يعني أن الجنسين، الرجال والنساء، وجدا أنفسهما، من دون سابق إنذار، مرغمَين على العيش، أربعا وعشرين على أربع وعشرين ساعة، في البيت. أي في ما كان يسمَّى ماضياً "مملكة النساء". وحيث ما زلن، في الغالبية العظمى من الحالات، صاحبات القرار والمهارة فيه. صحيحٌ أنهن خسرن الكثير منها، فلم يعدن يخبزن، أو يصنعن المونة، أو الحلويات والأطايب والمملوحات، أو يجْلبن المياه من البئر، أو النبع، أو يغسلن الملابس على أطراف النهر.. إلخ. ولكنهن، على الرغم من خروجهن، واكتسابهن مهارات، النفسية أو المهنية أو السياسية "الرجالية".. إلا أنهن احتفظنَ، في هذه المرحلة من ثورتهن، بشيء غير قليل من السلطان "البيتي"، حتى ولو كن لا ينفذنَه بحذافيره. على الأقل، يقرِّرن لوائح الطعام، ينظّمن، ويحصين، يراقبن ويتبضّعن.. إلخ. فبقيت عندهن معرفة بالطبخ، بمكوناته، وتوقيتاته، وحرارته. بل تجد من بين ساكنات هذه المملكة نساءً تجلينَ أيضا في المجال الخارجي، وبقينَ على علاقة حميمة مع الطبخ، وكان التفنُّن به أحد همومهن.
الرجال من جانبهم، طوال هذا القرن من الثورة النسوية المستمرة، لم يبدّلوا مكانهم، ولا اهتموا بإجادة ما يتطلّبه الداخل من معرفة أو تجربة. أمضوا أوقاتهم يغتاظون من هذا الصعود، ويفتعلون الرضا، كي لا تنهال عليهم تهم معاداة النساء، تلك الفئة الصاعدة من مهمَّشي الأرض. ربما تقدموا قليلاً في الاهتمام بتربية الاولاد، بغير السلطوية القاسية الممنوحة للآباء. وشرائح لا بأس بها من شبابهم تشكل طليعة "الآباء الجُدد"، الذين لا يجدون، على كل حال، غير تقليد النساء في حنانهن ودقّتهن. ونعلم كم من "الشيفات" المشهورين الذين برعوا في اختراع وصفات الطبخ، وفي استثمارها في مطاعم، والنجوم التي تستحقها كل واحدة منها. والأشهر من بينهم يصرّحون، تجنّباً لتشبيههم بالنساء، بأنهم يبرعون هنا، في هذا المجال، العام، ولكنهم ليسوا مستعدين للطبخ في البيت..
المهم أن قسماً معتبراً من البشرية كان موزّعا بين داخل وخارج، تاريخياً، وخرجت من هذا الداخل النساء ليكتسبن مهاراته، فيما بقي الرجال ينازعون من أجل البقاء دون غيرهم من الجنس الآخر في هذا الخارج؛ هذا القسم من البشرية وجد نفسه، ولأول مرة في تاريخه المكتوب، في المكان نفسه، في تلك المملكة النسائية. النساء والرجال، معاً، في مكان النساء الخاص، فماذا تكون ردة الفعل؟ انقضاض على واحد من الأدوار، أي إعداد الطعام؛ وليس كل طعام، إنما الشهي منه، المتفنَّن به، السائغ.. فما أن أُعلن عن حظر التجول، حتى دارت المطابخ بكامل قدراتها، وذهب خيال النساء بعيداً في استلهام الوصفات النادرة، والأطباق المنسية.. لعلّهن بذلك يقتلن ضجر الحبس، بالتسلّي بالأكل؛ فطارت الأصناف إلى حيز الاهتمامات الأولى، ولم يمرّ أسبوع واحد على هذا الحبس، حتى أخذت أوزان الأجسام تتزايد. وتعلو الطرائف عن أجسامنا، الرشيقة قبل كورونا.. كيف أصبحت؟ كيف ستكون؟
هذه المأكَلَة المأخوذة الآن كفرحة وتسامر ولذّة، بل وكشغف عند الأمزجة المتطرّفة، قد تتحوّل 
إلى اختبار حقيقي لما بلغ الجنسان من تغير في نظرة ومهارة كل واحد منهما، وأحيانا من انفجار. صديق لي، أب لمراهقتين، كان يبدي على الدوام حرصا زائدا عليهما، يفوق حرص والدتهما. كنا نقول عنه، قبل كورونا، إنه أب حنون، عاطفي. عندما انحبس في البيت، تثبطت عزيمة زوجته نهائياً. أصيبت بما يشبه الركود، لا تستطيع أن تفعل شيئا، عكس غالبية النساء اللواتي أخذن المبادرة السريعة في الانقضاض على المطبخ، فكانت ردّة فعله على سلبية زوجته أنه أخذ يقوم بكل ما يتطلبه الظرف، يطبخ وينظِّف بعد الطبخ، وبفرحة من يكتشف في نفسه موهبة جديدة. هذا الرجل ليس مستصغرا نفسه، ليس فاشلا، بل هو مهندس ناجح، وميسور.
"الحالات" سوف تتنوّع، تبعاً للطبائع، أو التاريخ الشخصي، أو شيء آخر، فهناك من كانت تعاني من "الوظيفتين"، الداخلية والخارجية، ولا تجد وقتاً كافياً للاثنين، غطست في المطبخ، ولم تعد تتابع أخبار الفيروس. تقول إنها استعادت روحها، وروح جدتها. وهناك من سوف تجد بهذه العودة الجماعية إلى البيت الفرصة المناسبة للانتقام من كل الرجال، وعلى رأسهم شريكها، بإخضاع بطنه لإرادتها. والمؤكد أن بعض الرجال سيصابون بمزيد من الغيرة؛ ما كانوا يتحمّلون النساء في الخارج؛ وإذ بهم بلا دور وبلا وظيفة في هذا الحبس.. مهمّشون من نوع جديد، يخضعون في سجنهم هذا لقراراتٍ تأخذها عنهم مالكات مفاتيح بطونهم. وربما حالات لا نستطيع التكهّن بها الآن، فلا رحلة الفيروس انتهت، ولا الطبائع الإنسانية تخضع كلها لمعرفتنا أو تفسيرنا.
ولكن الأكيد في النهاية، ومهما كانت جسامة الخسائر التي ستتركها كورونا في إعصارها هذا، فإن البشر سيخرجون منها، وهم مصابون بمرض جديد، اسمه السمْنة المفْرطة.

دلالات