كورونا أميركا... وقائع الفحوص والإصابات تكذّب ترامب

07 يوليو 2020
الصورة
لا يضع ترامب أو مؤيدوه أيّ كمامات عادة (وين ماكنامي/ Getty)


ترتفع مجدداً أرقام الإصابات والوفيات بفيروس كورونا الجديد في الولايات المتحدة، فيما يبدو الرئيس الأميركي دونالد ترامب أكثر اهتماماً بالسياسة من صحة الناس، مع استمراره في التقليل من خطر الفيروس

تبجح الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، في أحد خطاباته الأخيرة أمام الآلاف من مؤيديه الذين تجمعوا في مسرح، من دون أن يضع أغلبهم أيّ كمامة أو قناع واقٍ، بالقول: "لقد قلت لهم (للمسؤولين في الولايات المتحدة): قللوا عدد الفحوص (التي تكشف عن الإصابة بفيروس كورونا الجديد). وستكون أرقام المصابين أقل". وردّ الحشد بالتهليل والضحك. لا يكتفي الرئيس الأميركي بلوم الآخرين وتحميلهم المسؤولية بخصوص تجاوبه المتأخر مع مكافحة وباء كورونا، والذي كلف الولايات المتحدة ثمناً باهظاً في الأرواح والإصابات، بل إنّه مستمر في إرسال رسائل متناقضة لقاعدته الانتخابية تذكّر بحالة الإنكار التي كانت لديه مع بداية تفشي الوباء في الولايات المتحدة، إذ قال آنذاك إنّ الفيروس ومعه المرض سيذهبان من تلقاء نفسيهما. بعد ذلك بدأ بموجة من التصريحات العنصرية المعادية للصين ولومها على تفشي الفيروس، ثم لوم منظمة الصحة العالمية مع تجميد الولايات المتحدة دعمها المالي لها، ما يعيق الجهود الدولية لإيجاد لقاح والحدّ من انتشار الفيروس بشكل أوسع حول العالم. وفي الآونة الأخيرة كرر ترامب هذه الرسالة، وإن بصياغات أخرى، مفادها أنّ الوباء تحت السيطرة، مع تشديده على عودة الاقتصاد إلى عافيته.
تكذّب الوقائع على الأرض الرئيس الأميركي في هاتين النقطتين، إذ وصل معدل الإصابات اليومي في الأيام الأخيرة إلى 55 ألف إصابة، وهو ما يفوق عدد الإصابات المسجلة في البرازيل التي كانت بؤرة الوباء في الأسابيع الماضية. ويحاول ترامب من خلال رسائله أن يعطي تبريراً استباقياً للارتفاع في عدد الإصابات الجديدة التي تسجل، في ظلّ توفر الإمكانيات لإجراء الفحوص بشكل أوسع مقارنة بما قبل شهر مضى، ومعها تسجيل عدد أكبر من الإصابات. لكنّ الخبراء، بمن فيهم أنطوني فاوتشي، مدير المعهد الأميركي للأمراض المعدية، يلاحظون أمراً آخر لا علاقة له بالضرورة بإجراء عدد أكبر من الفحوص وارتفاع عدد الإصابات المسجلة بشكل تلقائي. هم يلاحظون ارتفاعاً فعلياً وكبيراً في عدد الإصابات التي تضطر لتلقي العلاج في المستشفيات. ويعدّ ذلك مؤشراً أساسياً لقياس خطورة الوضع. وعلى الرغم من أنّ الولايات المتحدة تجري الفحوص بنسبة أعلى من قبل فإنّ هناك شوائب كبيرة تحول دون مكافحة الوباء بشكل أنجع إذا ما قورن ذلك مع دول مثل كوريا الجنوبية التي تجري الفحوص بمعدلات أوسع وقد تمكنت من السيطرة على الوباء بشكل أفضل. ومن بين تلك الشوائب أنّه على الرغم من توفر إمكانات إجراء الفحوص بشكل أوسع الآن، فهي غير متوفرة بشكل كافٍ لتمكّن السلطات المسؤولة من رصد واسع لانتشار الفيروس، كما أنّ نسبة الخطأ في النتيجة في بعضها ما زالت مرتفعة، بالإضافة إلى أنّ نتائج الفحوص ما زالت تستغرق أياماً في بعضها.


كلّ هذا يظهر تراجعاً في مكافحة الوباء في عدد من الولايات ومعه ارتفاع في عدد الإصابات في الولايات المتحدة ككلّ. وقد سجلت سبع ولايات ارتفاعاً في عدد المصابين الذين يحتاجون إلى عناية طبية في المستشفيات، مما ينبئ بخطر عودة الولايات المتحدة لتكون بؤرة من بؤر الفيروس حول العالم، كما كانت الحال عندما سجلت ولاية نيويورك في إبريل/ نيسان الماضي، أعلى معدلات وفاة وإصابة حول العالم. وتحاول نيويورك العودة إلى العمل وفتح المحلات لكن بشكل حذر. أما الولايات السبع التي عادت لتسجل ارتفاعاً ملحوظاً بعدد الإصابات التي تحتاج إلى عناية طبية ودخول المستشفيات فهي: أريزونا، وأركنساس، وكاليفورنيا، ونورث كارولاينا، وساوث كارولينا، وتينيسي، وتكساس. كذلك، اضطرت بعض الولايات للعدول عن بعض الإجراءات التي اتخذتها أو تلك التي كانت تخطط لها لإعادة فتح متاجرها ومؤسساتها، بل أقفلت شواطئها، وألغت احتفالات وإطلاق مفرقعات في نهاية الأسبوع الماضي خصصت لاحتفالات عيد الاستقلال (4 يوليو/ تموز).

شطرنج في نيويورك


وسجلت 33 ولاية أميركية الأسبوع الماضي، ارتفاعاً في معدلات الإصابة المسجلة مقارنة بالأسبوع الذي سبق. ووصل عدد الإصابات المسجلة في الولايات المتحدة (أكثر من 2 مليون و900 ألف) إلى نحو ربع الإصابات المسجلة حول العالم، بما فيها أكثر من 130 ألف وفاة بسبب كورونا. وتقدر بعض الدراسات، أبرزها من جامعة "واشنطن" أن يصل عدد وفيات الفيروس بحلول بداية أكتوبر/ تشرين الأول المقبل إلى 180 ألفاً في البلاد. وعلى الرغم من كلّ هذا، فإنّ الحكومة الفيدرالية أنهت الدعم المادي للعيادات التي تجري الفحوص بما فيها سبعة مواقع في تكساس، على الرغم من الارتفاع في عدد الإصابات المسجلة، وحتى الآن ترفض تجديد ذلك. كذلك، فإنّ تراجع الحكومة الفيدرالية عن دعم مراكز الاختبارات، بما فيها المراكز في تلك الولايات التي تشهد ارتفاعاً في عدد الإصابات المسجلة، ينبئ بأنّ ترامب وإدارته في حالة من الإنكار أو إخفاء الحقائق. ولن يتمكن كثير من الأميركيين، خصوصاً من لا يملكون أيّ تأمين صحي، من تحمل كلفة إجراء الفحوص، ويصل عدد هؤلاء إلى عشرات الملايين. وهو ما يعني أنّ عدداً أكبر من الأشخاص سيصابون من دون أن تظهر عليهم الأعراض، وسينقلون العدوى إلى آخرين على نطاق أوسع. يأتي كلّ هذا في الوقت الذي يؤكد فيه المختصون على أنّ إجراء الفحوص أساسي لمراقبة انتشار الفيروس، ومعرفة متى يحتاج الشخص للعزل المنزلي وتحذير الآخرين من إمكانية إصابتهم بالمرض، كما يعود ذلك بفوائد على الاقتصاد إذ ينعزل المصابون فقط أو هؤلاء الذين كانوا على احتكاك بهم، من دون اللجوء إلى إقفال عام. لكنّ ذلك غير ممكن إذا كانت الفحوص غير متوفرة للجميع أساساً، وعلى نطاق واسع. 


اقتصادياً، وبعد بعض التعافي الذي بدأ سوق العمل يشهده، فإنّ بورصة نيويورك شهدت مجدداً انخفاضاً، إذ تراجعت قيمة الأسهم في وول ستريت، بعدما أصبح واضحاً أنّ الانتعاش الاقتصادي لن يكون بالسرعة التي يدّعيها ترامب، على الرغم من رفع عدد من الولايات إجراءات العزل التي كانت تعمل بها. لكن، يبدو أنّ بعضها سيضطر قريباً للعودة مجدداً وإعلان حالات إغلاق جزئي بسبب عودة تفشي الوباء. وتشهد الولايات، التي لم ترفع حالات الإغلاق بشكل كامل وتفرض إجراءات أكثر صرامة على الكمامات في الأماكن العامة، انخفاضاً مستمراً في عدد الإصابات، كما هي الحال في نيوجيرزي ونيويورك.
ويرفض الرئيس الأميركي استخدام الكمامة، كما يقلل بشكل مستمر من أهمية ذلك. في المقابل، لم يتوقف المسؤولون في إدارته خصوصاً أنطوني فاوتشي عن التحذير من الموجة الجديدة وضرورة عدم التهاون معها، بما في ذلك عدم استخدام الكمامات. واللافت أنّ المؤتمرات الصحافية اليومية التي كانت الإدارة تعقدها للتحدث عن مستوى انتشار الفيروس وآخر المستجدات حولها اختفت، ومعها تلاشى أو تقلص الشعور بالخطر في المخيلة العامة، على الرغم من أنّ الأرقام على الأرض لا تنبئ بخير. وفي الوقت الذي يحث فيه الخبراء الأميركيون السكان على الاستمرار بالعمل بالإجراءات الوقائية كعدم التجمع بأعداد كبيرة، وضرورة استخدام الكمامات، فإنّ عدداً كبيراً من الأميريكيين يعيش في حالة إنكار لخطورة الوضع في ظلّ رئيس لا يفوّت فرصة لإنكار ذلك ومعه العبث بحياة الناس.

شرطيان أميركيان


في هذا الإطار، توقعت كاثرين ريفيرز، وهي مسؤولة في مركز جامعة "جونز هوبكنز" للأمن الصحي، أن تضطر المستشفيات في كلّ من فلوريدا وتكساس وأريزونا وكاليفورنيا مجدداً إلى وقف اجراء العمليات الروتينية، بغية فتح المجال لطواقمها الطبية للتعامل مع مصابي فيروس كورونا. ووصفت التطورات الأخيرة بأنّها تذهب في الاتجاه الخاطئ. وعبرت عن قلقها العميق من الارتفاع في عدد الإصابات في تلك الولايات. لكنّ الخطر الأكبر الذي يحذر منه الخبراء هو التهاون الجاري حالياً، وعدم أخذ القضية بالجدية اللازمة مقارنة بشهر إبريل الماضي. ويضع البعض اللوم على الإدارة الأميركية، وعلى وجه التحديد ترامب، وتعامله غير المسؤول بل النرجسي وعدم تقديمه الدعم الكافي للولايات واستمراره في نهجه غير المسؤول وعدم رغبته في تحمل المسؤولية. وجزء من الخطر الذي يراه الخبراء أنّه لا سياسات موحدة بين الولايات ولا تنسيق تتولاه الحكومة الفيدرالية حتى على مستوى توزيع الأموال والاحتياجات الطبية. وهو ما اضطر عدداً من الولايات الأميركية إلى أخذ زمام الأمور والتنسيق بشكل منفصل في ما بينها، كما هي الحال بين نيويورك ونيوجيرزي مثلاً.


وسط كلّ هذا، يطلق مسؤولون في الإدارة الأميركية فقاعات أمل مفادها أنّ الولايات المتحدة تقترب من الحصول على لقاح ضد الفيروس بحلول نهاية العام الجاري أو بداية العام المقبل. ويحذر الخبراء من تلك التصريحات لأنّه، حتى لو كان هناك لقاح ما، فإنّ إنتاجه على نطاق واسع، والتأكد من سلامته وغيرها من خطوات تتخذ عادة، يحتاج إلى أشهر في أحسن الأحوال لبدء اختباره. ويبدو أنّ تلك التصريحات تحاول أن تطمئن الناخب الأميركي لا أكثر، إذ إنّ موعد الانتخابات الرئاسية هو في بداية نوفمبر/ تشرين الثاني المقبل.