قرارات جريئة لتبون: إصلاح سياسي أم تصفية تركة ثقيلة؟

قرارات جريئة لتبون: إصلاح سياسي أم تصفية تركة ثقيلة؟

07 مارس 2020
الصورة
يسعى تبون إلى تنفيذ خطوات تهدئة (بلال بن سالم/Getty)
+ الخط -

طرحت القرارات الأخيرة التي اتخذها الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون، تساؤلاتٍ عدة بشأن ما إذا كان بصدد تصفية تركةٍ ثقيلة، ومخلّفات المرحلة السابقة، أم إعادة تشكيل كل ملامح المرحلة الأولى من فترة حكمه، بعدما ورث الكثير من القضايا والملفات العالقة من المرحلة السابقة، تحتاج إلى معالجات لا تؤثر على طبيعة توازنات الحكم الهشّة. 

وقبل وصول ولايته الرئاسية إلى يومها المائة، اتخذ تبون عدداً من القرارات المهمة، ومنها استبعاد شخصيات تمّ تعيينها في مناصب عليا خلال فترة إدارة الجيش للبلاد وهيمنة قائد الجيش الراحل الفريق أحمد قايد صالح، وفي عهد رئيس الدولة السابق عبد القادر بن صالح، قبيل الانتخابات الرئاسية التي جرت في ديسمبر/كانون الأول الماضي، مع إعادة شخصيات كانت قد استُبعدت خلال تلك الفترة، إضافةً إلى توجّهات سياسية أخرى لها علاقة بالحراك الشعبي وتسوية قضايا الناشطين. وعلى الرغم من أن هذه الخطوات لاقت ترحيباً في صفوف الكثير من القوى السياسية، لا يزال جزءٌ من الرأي العام والمنتظم السياسي والمدني غير مقتنع في الوقت الحالي على الأقل، بقدرة الرئيس على التخلص من أدوات الحكم التي يلعب فيها الجيش دوراً مركزياً.

واستبعد تبون مدير ديوان الرئاسة نور الدين عيادي، الذي كان قد عُيّن في هذا المنصب بقرارٍ من قايد صالح في 21 ديسمبر/كانون الأول الماضي، بعد يومين من استلام تبون للرئاسة. وعيّن تبون مديراً جديداً للديوان، هو نور الدين بغداد دايج، والذي استُدعي من منصبه كسفير في العاصمة اليونانية أثينا، ضمن مجموعة تغييرات شملت تعيين العربي لطرش مديراً عاماً لقسم التشريفات في وزارة الخارجية.



وكان تبون قد استبعد في وقت سابق مدير تشريفات الرئاسة يوسف عشوي، الذي عُيّن في هذا المنصب في عهد عبد القادر بن صالح بتوجيهٍ من قايد صالح، وعيّن خلفاً له العقيد بلقاسم بلعريبي، الذي كان مسؤولاً في فريق الحرس الخاص للرئيس السابق عبد العزيز بوتفليقة، وأُبعد بعد استقالة بوتفليقة. كما أجرى تبون تغييراتٍ طاولت أيضاً مدراء التلفزيون العمومي والإعلام الحكومي وهيئات حكومية أخرى كالدرك والجمارك.

وإضافةً إلى هذه التغييرات، تبدو قضية الناشطين في الحراك الشعبي والموقوفين في السجون أو الملاحقين قضائياً قبل ديسمبر الماضي، جزءاً من تركة ورثها تبون من مخلفات المرحلة السابقة التي أدارها الجيش. ويُلاحظ إطلاق سراح مستمر للناشطين من السجون وإنهاء عدد كبير من القضايا وإسقاط تهم كانت تبدو ثقيلة، وتخص تهديد الوحدة الوطنية وإهانة الجيش والتخابر، وغيرها من التهم التي ألصقت بالناشطين في الفترة السابقة. وأُطلق سراح المناضل الثوري لخضر بورقعة، وكذلك فوضيل بومالة وسمير بلعربي وحاج غرمول. كما أطلق سراح الناشطات نور الهدى عقادي وسميرة مسوسي ونور الهدى ياسمين، على الرغم من استمرار بعض القضايا العالقة حتى الآن.

كما أبدى تبون انفتاحاً لافتاً تجاه قوى وشخصيات سياسية كانت في حالة صدامٍ سياسي مباشر مع المؤسسة العسكرية وقايد صالح، وكانت معنيةً بشكل مباشر بسلسلة خطابات ومواقف حادة من قبله، بينها رئيسا الحكومة الأسبقان مولود حمروش وأحمد بن بيتور، ورئيس حركة "مجتمع السلم" عبد الرزاق مقري، ورئيس "جبهة العدالة والتنمية" عبد الله جاب الله، ومنسق مؤتمر المعارضة عبد العزيز رحابي. وأبدى الرئيس الجزائري كذلك انفتاحاً كبيراً تجاه هذه القوى والشخصيات، واستقبلها في مقر الرئاسة، في إطار حوار سياسي، ولاستشارتها حول خطة الإصلاح السياسي والدستوري الذي يرغب في طرحه.

وفي هذا السياق، قال مقري خلال مؤتمر سياسي عقده أمس الجمعة، إن الحركة لن تكون متطرفة في مواقفها إزاء أي مشروع إصلاح سياسي يأخذ بعين الاعتبار مطالب الجزائريين ومطالب الحراك الشعبي، لافتاً إلى أن تبون هو الآن رئيس جمهورية، ولا يمكن التعامل معه إلا على هذا الأساس، وإذا كان في نيّته إنجاز إصلاح سياسي ودستوري حقيقي، فإن الحركة لا تملك إلا أن تكون شريكة له في ذلك.

واللافت أيضاً أن بداية مرحلة تبون تضمّنت تسويةً سياسية لبعض القضايا العالقة منذ عقود، وتخصّ منفيين سياسيين كانوا ممنوعين من الدخول إلى البلاد بسبب مواقفهم السياسية وقضايا خلافية مع النظام السابق منذ التسعينيات، أدت إلى دفعهم لسنواتٍ من الهجرة القسرية والاستبعاد والمنع من الدخول من قبل السلطة والأجهزة الأمنية. وبدأت عودة عدد منهم خلال الأيام الأخيرة، فعاد النقيب السابق في الجيش، المعارض السياسي أحمد شوشان، بعد 25 عاماً في المنفى قضاها بين مالي وبريطانيا، على خلفية ملاحقته في قضايا سياسية بسبب قربه من "الجبهة الإسلامية للإنقاذ" قبل عام 1992. وقام شوشان مباشرةً بعد عودته بزيارة قبر قايد صالح. ويُعرف عن شوشان أنه من أكبر المعارضين في الخارج الداعمين لقايد صالح، كما دعم المسار الانتخابي في ديسمبر الماضي، وأسّس مع ناشطين في الجزائر تنظيماً سياسياً باسم "الجبهة الشعبية لإنهاء الوصاية الفرنسية على الجزائر"، وتنظيماً يُتوقع أن يتحول إلى حزبٍ سياسي هو "الوحدة الشعبية". وساعدت مواقفه هذه على ترتيب السلطات والأجهزة لعودته إلى البلاد.

كما عاد الناشط والكاتب الإسلامي البارز رشيد بن عيسى إلى الجزائر بعد 28 عاماً في المنفى مُنع خلالها من الدخول إلى البلاد، على خلفية مواقفه الداعمة للإسلاميين. وقال بن عيسى للصحافيين بعد عودته، إن الظروف الجديدة في البلاد بعد اندلاع الحراك الشعبي وانتخاب تبون وفّرت له فرصة طيبة للعودة. وأكد بن عيسى، وهو أمين عام سابق لوزارة التعليم، ومن مؤسسي مؤتمرات الفكر الإسلامي في الجزائر نهاية الستينيات، أنه ظلّ لمدة 28 عاماً ممنوعاً من الدخول إلى الجزائر، بفعل ما يعتبره "هيمنة التيار الفرنكوفوني على السلطة في البلاد وعداءه المطلق للمفكرين الإسلاميين"، مضيفاً أنه قرر العودة إلى البلاد من دون ترتيبات.

ورأى العضو في "الجبهة الجزائرية لإنهاء الوصاية الفرنسية"، الناشط السياسي رياض حاوي، في حديث لـ"العربي الجديد"، أن عودة المنفيين السياسيين مسألة ضرورية كان يجب أن تحصل منذ وقت طويل، مضيفاً "الأمر مطلوب، وبقاؤهم خارج الوطن غير مبرر خصوصاً لمن يريد العودة، وهؤلاء متابعون في قضايا حق عام لا قضايا سياسية، وفي تقديري فإن السلطة في حالة ضعف شديد، وهناك زخم اجتماعي إذا أردنا استغلال الفرصة المتاحة وتوسيع مجال الحريات".

على صعيد الإعلام والعلاقة مع الصحافة، ثمة أيضاً تركة ثقيلة، ليست وليدة مرحلة إدارة الجيش لما بعد استقالة بوتفليقة، لكنها كانت مرحلة دخل فيها الخطاب الإعلامي منحى خطيراً بفعل التوجيه وضغط الجيش. وبدا أن أول خطوة تمت على صعيد تصفية التركة السياسية تعديل الخطاب الإعلامي وإلغاء قاموس من الخطاب الطائفي والعرقي وتقليص "برامج العسكرة" والتغطيات المُبالغ فيها لأنشطة الجيش التي كانت تهيمن على التلفزيون الحكومي. كما بدت توجهات تبون لافتة تجاه معالجة العلاقة بين السلطة ووسائل الإعلام، عبر فتح نقاش واسع مع الأسرة الإعلامية حول مشاكل القطاع وأدوات إصلاح عميق وتسوية الوضعية الغامضة للقنوات التلفزيونية.

ويعتقد مراقبون أن تبون يسعى في سياق التصفية والتخلص من تركة سياسية محرجة، إلى تنفيذ خطوات تهدئة تتيح له إطلاق خطته للإصلاح السياسي، أو ما يصفها الكاتب ورئيس حزب "الوطنيين الأحرار" عبد العزيز غرمول بـ"تغييرات عميقة لإعادة بناء الدولة التي حطمها الإرهاب وعبد العزيز بوتفليقة".

ويثير التغير الجذري لموقف بعض القوى السياسية المعارضة من تبون، بعدما كانت تصفه بالرئيس المطعون في شرعيته، وتعديل مواقفها باتجاه السعي لدعم خطواته، بينها حركة "مجتمع السلم" التي التقى رئيسها عبد الرزاق مقري تبون، وكذلك منسق مؤتمر المعارضة عبد العزيز رحابي، تساؤلات عما إذا كانت هذه القوى قد بُلّغت من السلطة السياسية الجديدة بمستوى التغيير السياسي الذي يسعى تبون لتنفيذه، ومنحها ضمانات بتغيير تدريجي وتصفية كل القضايا العالقة من التركة السابقة وتحسين شروط الممارسة السياسية والمدنية، وكذلك اقتناع هذه القوى بضرورة دعمه في هكذا خطوات.

لكن بعض القراءات، وإن كانت تشجع الرئيس على الاستمرار في إنهاء ملفات وقضايا عالقة خلّفتها مرحلة إدارة الجيش للمشهد السياسي قبل انتخابات 12 ديسمبر الماضي، فإنها لا تذهب بعيداً في تصوّر ما إذا كان تبون فعلياً بصدد تشكيل فريق حكمه أم تصفية تركة سياسية. ويؤكد الناشط السياسي ناصر حداد، لـ"العربي الجديد"، أنه "يجب النظر بهدوء إلى خطوات وقرارات الرئيس تبون، ونظرياً اعتدنا في الجزائر مع مجيء كل رئيس جديد أن يبادر إلى إطلاق سراح سجناء سياسيين وإجراء تغييرات في رجالات الحكم، وجزء من هذه التغيرات يتعلق بدفع مجموعة لمجموعة أخرى، وعليه يبدو السؤال الذي ستتضح الإجابة عنه لاحقاً، هو ما إذا كان ما يقوم به تبون ضمن رؤية إصلاحية حقيقية، أم أنها مجرد قرارات يحاول من خلالها إثبات حضوره ورسم صورة جديدة لنفسه ولنظام الحكم".

وبخلاف هذه القراءة السياسية لتطورات المشهد في الجزائر، لا تبدي أطراف أخرى أملاً في إمكانية أن يبادر تبون للتخلص من ميراث المرحلة السابقة، وتشير إلى استمرار بعض الممارسات الأمنية والتضييق على الناشطين والتظاهرات واستمرار الغلق الإعلامي. وفي السياق، رأى الناشط والكاتب المعارض محمد أرزقي فراد، أن تبون لن يستطيع تغيير الأوضاع، معتبراً في تصريح لـ"العربي الجديد" أن "الرئيس في أول الأمر ونهايته هو ابن النظام، وأنا لا أتصور أنه قادر على مواجهة العسكر، والمؤسسة العسكرية هي التي لعبت الدور الأكبر في صناعته كرئيس وكظاهرة سياسية مثلما صنعوا قبله أحمد أويحيى وبوتفليقة، ورجالات النظام هم مجرد واجهات مدنية لنظام عميق"، مضيفاً "حتى الآن الرئيس لم يستطع وقف الاعتقالات التعسفية والتضييق على المتظاهرين المسالمين ولم يستطع فتح الإعلام، أعتقد أن الأمر أكثر تعقيداً من مجرد استبعاد وتعيينات وإطلاق سراح معتقلين".




 

 

المساهمون