قانون تجريم مقاطعة الكيان الصهيوني

قانون تجريم مقاطعة الكيان الصهيوني

15 سبتمبر 2017
الصورة

دعوة إلى مقاطعة إسرائيل في مسيرة في تولوز (23/8/2017/Getty)

+ الخط -
يتم في الولايات المتحدة الإعداد لقانون جديد بدعم مطلق من أكثر من 43 عضواً في مجلس الشيوخ و243 عضواً في مجلس النواب، يجرّم كل من يدعو إلى مقاطعة نتاج مستوطنات الكيان الصهيوني، أو يقاطعها فعلاً، بعقوبةٍ مركبةٍ، لخص حدها الأدنى تقرير اتحاد الحريات المدنية في الولايات المتحدة الذي لا يستطيع أي قاضٍ في الولايات المتحدة التخفيف منه بأنّه "غرامة مالية قدرها ربع مليون دولار أميركي"، يمكن رفعها إلى الحد الأقصى الذي يتمثل "بتجريم المحكوم عليه جنائياً بغرامة مالية قدرها مليون دولار أميركي مع الحكم بالسجن 20 عاماً". والطريف في خريطة داعمي مشروع القانون أنّه يتمتع بدعمٍ شبه مطلق من ممثلي الحزبين، الديمقراطي والجمهوري، في مجلسي النواب والشيوخ، ومن دون أن يكون له معارض واحد معلن من أي من أعضائهما. وتتمثل خطورة القانون ليس في تكميم أفواه المناهضين لنظام الفصل العنصري في الكيان الصهيوني، وإنّما في لغته الإجمالية لتجريم أي أنشطة لمقاطعة الكيان الصهيوني من أي "مؤسساتٍ وهيئات دولية، سواء كانت برعاية حكومات أجنبية أو تابعة لمنظمات وتجمعات دولية، مثل الأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي"، بحسب تحليل الصحافي الطليعي، جلين جرينولد، في صحيفة ذي انترسبت، مستنداً إلى أرضيته العلمية، بوصفه مستشاراً قانونياً ومحامياً، بالإضافة إلى عمله الصحافي، وهو ما يعني عملياً، بحسب توصيف الصحافي جوش روبنر في صحيفة الانتفاضة الإلكترونية الناطقة بالإنكليزية، "تجريم حملات التضامن مع الشعب الفلسطيني الهادفة إلى الضغط على الشركات لقطع أنشطتها التجارية مع إسرائيل"، وهو ما يشمل فعلياً جميع الشركات الأميركية، وكل الشركات العالمية التي لها تعامل مع الولايات المتحدة، أو مكاتب قائمة فيها. وهو ما قد يكون الهدف الضمني الأكبر من القانون المذكور، لإرعاب كل القطاعات الاقتصادية على المستوى الكوني
من التفكير بتحديد أنشطتها التجارية مع الشركات الإسرائيلية، أو اتخاذ قرار بعدم شراء منتجات المستوطنات الإسرائيلية لأي عذر، كان يمكن تفسيره بحسب القانون بأنّه مقاطعةٌ تستدعي التقييم الجنائي لها، وتحقيق العقوبات الصارمة بحق مرتكبيها، ما سوف يستدعي من مدراء تلك الشركات التأمل والتفكر ملياً قبل اتخاذ قرار بذلك الصدد، حتى ولو كان لأسباب تجارية أو تنافسية محضة، وبما يلزم كلاً منهم واقعياً بالالتزام بتلبية كل متطلبات الجانب الإسرائيلي في أي معادلة تجارية، يكون الأخير طرفاً فيها، في سيناريو يبدو كأنه استنساخ لما جرى من تدجين في وسائل الإعلام الغربية التي ترتعد فرائص كل العاملين فيها رعباً من انتقاد الكيان الصهيوني، خوفاً من مفاعيل قوانين معاداة السامية في العالم الغربي، والتي أصبحت تعني، من الناحية العملية، تجريم أي انتقاد للكيان الصهيوني وسياساته جملة وتفصيلاً، ومن دون أن يخطر ببال أي من المجتهدين المتزمتين في تطبيق تلك القوانين وتوسيع شموليتها باضطراد أن العرب أنفسهم ساميون إن لم يكونوا أس السامية بعينها، والتي يبدو أنها عين مقلوعة لم يعد يعيرها أحد اكتراثاً لغياب وزنها النوعي على كل صعيد ومستوى.
وتفيد الحقيقة المرّة بأنّ كل ما ذكر سالفاً يكاد يرقى إلى أن يكون تحققاً مطلقاً لكل مشاريع حملات العلاقات العامة لمجموعات الضغط الداعمة للكيان الصهيوني في الولايات المتحدة وأهدافها، وفي مقدمة هذه المجموعات لجنة الشؤون العامة العامة الأميركية الإسرائيلية (إيباك)، والتي جاهرت من دون مواربة في مشروع أنشطة الضغط والعلاقات العامة لها خلال العام 2017 بأنّ حثها الدؤوب لإصدار ذلك التشريع يرمي إلى "استهداف أنشطة الأمم المتحدة المعادية لإسرائيل، عبر ردع الشخصيات الاعتبارية الأميركية، أفراداً وشركات، من التعاون مع أي أنشطة للمؤسسات الدولية، ومن ضمنها الأمم المتحدة، تهدف إلى مقاطعة إسرائيل"، وهو تحقق يشي بالتآكل شبه الكلي لأي تأثير نوعي للعرب في مجريات لعبة العلاقات العامة في العالم الغربي، في وقت يغدقون أموالاً طائلة على حملات علاقات عامة لتأليب الرأي العام الغربي ضد بلد عربي بعينه، في مأساةٍ أصبحت في مستوى الكوميديا السوداء، لكثرة ما نالته من انتقاد لاذع وتهكم في الإعلام الغربي، لعدم منطقية سياقها التبريري التلفيقي المتناقض جوهراً ومظهراً مع معطيات التاريخ العربي الحديث والجغرافيا السياسية العربية المعاصرة.
طالما رأى نعوم تشومسكي، بالتعاضد مع إدوارد سعيد، أنّ "حصول الشعب الفلسطيني على حقوقه الطبيعية والتاريخية مرهون بمستوى اطلاع الرأي العام الغربي على مأساة الشعب الفلسطيني وحقوقه المسلوبة. ومن دون ذلك، فإنّ تغير دفة ولاءات النظم الغربية وانبطاحها للكيان الصهيوني مسألة شبه مستحيلة". ويشي الواقع التراجيدي بأنّ كل العرب، بمن فيهم الأشقاء المعذبون في أشلاء الأرض الفلسطينية المحتلة، لاهون مشغولون باحترابهم في ما بينهم، وتبذير ثروات المتنعمين منهم على تمويل حملات للعلاقات العامة لتبرير تكميم الأفواه وإغلاق الأقنية الفضائية العربية، وخصوصاً الناطقة بالإنكليزية منها، والتي، على كل علاتها وعجرها وبجرها البنيوي والوظيفي، تكاد تكون المنبر الإعلامي الأخير الذي لا زال يجرؤ على الحديث إلى الرأي العام الغربي عن مأساة الشعب الفلسطيني.