الشتاء النووي والإمبراطورية العوراء

الشتاء النووي والإمبراطورية العوراء

04 يونيو 2017
الصورة

مايكل فالون: مستعدون لاستخدام الأسلحة النووية (14/3/2017/Getty)

+ الخط -
صرّح وزير الدفاع البريطاني، مايكل فالون، أن "رئيسة الوزراء البريطانية على استعداد لاستخدام الأسلحة النووية في ضربات استباقية ضد أيّ من أعداء المملكة المتحدة"، من دون أن يحدد الظروف الموضوعية التي، بالاستناد إلى حيثياتها، يمكن له اتخاذ قرار بتلك الجسامة، بهدف "الحفاظ على الخوف في عقول أعداء المملكة المتحدة"، ومن دون أن يحدّد من هم أولئك الأعداء الراهنون أو المحتملون الذين قد تحتاج بريطانيا إلى تأديبهم نووياً، بالمنظومات النووية البريطانية "المتهالكة والتي عفا عليها الزمن"، والتي تمثل "كارثة نووية تنتظر فقط أوان حدوثها"، بحسب ويليام ماكنيلي، أحد مهندسي الصيانة المسؤولين عن صيانة الغواصات النووية الأربع التي تمثل الجهاز الوحيد القادر على توجيه ضربات نووية في الجيش البريطاني، والذي يعكس عنوان تقريره، "هل لديكم أدنى فكرة، كم نحن قريبون إلى كارثة نووية وشيكة في كل لحظة في المملكة المتحدة؟"، محتوى التقرير الذي تحدّث باستفاضة عن حوادث "القصور المريع في الإجراءات الأمنية في القواعد البحرية المخصّصة لخدمة الغواصات النووية البريطانية، وعن حوادث تسرّب المياه والحرائق المتكرّرة في إحدى الغواصات النووية، التي لو حدثت، والغواصة في أعماق البحار، لكانت أودت بحياة ما لا يقل عن حياة 50 بحاراً"، ومن دون أن يخطر ببال الوزير البريطاني المتحفز لتهشيم أعداء المملكة المفترضين نووياً أن يقدّم تبريراً للحادثة التي لم يغطها الإعلام الغربي المسيطر، إلا في الزوايا المعتمة التي لم يلتفت إليها أحد، والمتعلقة بإخفاق تجربة إطلاق الصواريخ القادرة على حمل رؤوسٍ نوويةٍ بوزن 60 طناً وقدرة تفجيرية، تتجاوز بثماني مرات القدرة التفجيرية للقنبلتين النوويتين اللتين أُلقيتا على هيروشيما وناغازاكي في اليابان في خواتيم الحرب العالمية الثانية، والتي تمّ إطلاقها منذ أشهر قليلة، باتجاه جنوب المحيط الأطلسي قرب السواحل 
الأفريقية، فأخطأت هدفها ببضعة آلاف الكيلومترات فقط. وانطلقت في الاتجاه المعاكس، فوقعت في أراضي الولايات المتحدة الأميركية، والتي كان من المحتمل جداً، لولا معرفة الولايات المتحدة مسبقاً بالتجربة الصاروخية البريطانية، أن تؤدي، بشكل آلي، إلى هجماتٍ انتقاميةٍ مؤتمنةٍ ضد مصدر الصاروخ الباليستي من منظومات الصواريخ النووية الأميركية، أو من أي دولةٍ نوويةٍ أخرى، متحفزة ضد أعدائها الافتراضيين، سواء في روسيا أو الهند أو باكستان، في حال سقوط ذلك الصاروخ الضّال في أرض أيّ من تلك الدول، وهو ما كان سوف يقود، بشكل طبيعي، إلى تدمير المملكة المتحدة التي يزعم الوزير البريطاني الهمام بأن هدفه الحفاظ على سلامة أراضيها من أي اعتداءٍ قد يفكّر به أعداؤها.
والحقيقة الأخرى التي أغفلها الوزير البريطاني أنّ المملكة المتحدة ليست في حالة حربٍ معلنةٍ مع أي دولة أخرى بشكل رسمي، سوى إعلان وزير خارجيتها، بوريس جونسون، الذي طالما عرَّف عن نفسه بأنه "صهيوني شغوف" بأن "بريطانيا على استعداد للانضمام إلى الولايات المتحدة في أعمالها الحربية في سورية، من دون الحاجة لتصويت من البرلمان البريطاني "لتدمير" تنظيم الدولة الإسلامية، من دون إشارةٍ من قريب أو بعيد لنظام الأسد، المستفيد الفعلي الوحيد من تلك الحرب الأميركية التي دمرت في صيرورة الإفصاح عن نفسها كل أعداء نظام الأسد، وحشرتهم عنوةً في سلة التنظيم الداعشي عبر "قطع كل آليات الإمداد العسكري وغيره عن الفصائل الثورية التي لم يكن لها أي أجندة سوى تحرير سورية من نظام الاستبداد فيها، وإرغام تلك التنظيمات الثورية بالقبول بالموت جوعاً أو لقلة الإمداد والدعم بالذخيرة والعتاد، أو الاضطرار للانضمام إلى التنظيم الداعشي وآلته المالية والعسكرية الضخمة التي ساهمت الولايات المتحدة وحلفاؤها على تعظيمها بشكل مباشر أو غير مباشر"، بحسب الباحث الطليعي في معهد ذي نيشن، آناند غوبال؛ وهو ما يستدعي سؤالاً منطقياً عن رغبةٍ دفينةٍ لدى الساسة البريطانيين، لتحضير الرأي العام البريطاني لاستعراض عضلاتهم العسكرية، وربما النووية، في سورية، لتدميرها بشكل نهائي وإتمام ما قام به طاغيتها، وتحويلها إلى أرضٍ خراب، لا يستقيم العيش فيها، كما هي حال أرض فوكوشيما وتشيرنوبل، لمن يفقه التاريخ القريب ودروسه المريرة، بعد أن حوّلت ألوف الأطنان من قذائف اليورانيوم المنضب على العراق وسورية مستقبل كل الأطفال الذين سوف يولدون في أرض الشام والرافدين إلى رعبٍ مقيم من السرطانات والأورام الغرائبية التي تنتظر أوان إطباقها على أجسادهم المدنفة التي أنهكها العيش المرّ في أوطانها.
ومن الناحية العلمية، يجدر تذكير الوزير البريطاني المقدام بما يعرفه، ويتعامى عنه مع سبق
الإصرار والترصد، والمتعلق بخطر "الشتاء النووي" المرتبط، بحسب العالم سيث باوم مدير معهد أخطار الكوارث الكونية، "بإمكانية تحويل أي استخدامٍ للأسلحة النووية الأرض إلى كوكبٍ يكاد تستحيل الحياة عليه في سياق ضربات استباقية، وأخرى انتقامية، لا تزيد عن بضعة عشرات من الصواريخ النووية"، عبر حجب ضوء الشمس عدة أشهر بالسحب النووية الضخمة الناجمة عن تلك الأخيرة، وتدمير طبقة الأوزون، بسبب الكم الهائل من أكسيد النيتروجين الناجم عن الانفجارات النووية، وهو ما سوف يقود إلى موات كل المحاصيل في أجزاء الكوكب التي تنحجب الشمس عنها، وفناء كل الأحياء الأخرى عند تعرّضها للشمس في البقاع التي لازالت الشمس تصل إليها، بسبب ارتفاع مستوى الأشعة فوق البنفسجية التي تحجبها طبقة الأوزون في الغلاف الجوي في الأحوال الاعتيادية، وهو ما سوف يقود إلى مجاعاتٍ تقتضي سببياً حروباً مريعة، تفتك بالمتبقي من أبناء الجنس البشري.
ليس خطاب وزير الدفاع البريطاني سوى تورية سمجة لخطاب إمبريالي عنصري، يماهي بين مسلمات الطبيعة وقوانينها وبين ما يراه من تفوقه العرقي وحقه الطبيعي في استبعاد كل حيوات البشر ومصائرهم، وتدميرهم وإفنائهم بالطريقة نفسها التي كان "المستعمرون البيض يَحتَزُّون بها رؤوس من يتمرد عليهم من العبيد، ويضعونها على رؤوس الرماح، لتأديب من قد تسوّل له نفسه التمرّد على أسياده"، وهي القصص المخزية التي وثّق مئات منها الباحث جون نيوسينجر في كتابه الاستثنائي "الدم الذي لم يجف، تاريخ البشر في الإمبراطورية البريطانية"، والتي يبدو أنّ جميع ساستها القدماء والمعاصرين لا يريدون الخروج من أسر وعيهم الاجتزائي، وبصيرتهم التي ظلت ترى في حق الحياة ملكية احتكارية للسيد الأبيض، ومنّة منه على كل أولئك الأغيار من البشر العبيد، إن مضوا في مستقرّهم الذي اختطه لهم، ولمّا يحيدوا عنه قيد أنملة، وسوى ذلك فلا علاج له في قاموس الإمبراطورية العوراء سوى الويل والثبور وعظائم الأمور النووية.