قانون الجنسية في لبنان من عهد الانتداب

13 يناير 2017
الصورة
لمَ لا يمكن لأمي أن تمنحني واحداً؟(رمزي حيدر/فرانس برس)
ملف منح المرأة اللبنانية جنسيتها لزوجها وأطفالها، أو على الأقل لأطفالها، طويل جداً ومتشابك، غصباً عن الحقوق الأساسية للمواطنين والمواطنات، بأشكال متعددة من العوامل السياسية، تاريخية وظرفية.

كلّما طالبت اللبنانيات المتزوجات من أجانب بالجنسية لهم ولأبنائهن، خرج من يقول إنّ هذا التجنيس "يروّج لتوطين الفلسطينيين، وينافي حقّ العودة" أو "يغلّب ديانة على ديانة أخرى" أو "طائفة على أخرى" أو في أضعف الإيمان "ليس وقته الآن فلدينا قضايا أهم".

تُسقط الناشطة منى إليان وهي أم لطفلتين (12 عاماً و9 أعوام) ومتزوجة من مصري، كلّ هذه الحجج دفعة واحدة. فتجنيس أبناء اللبنانيات المتزوجات من فلسطينيين لا يمكن أن يسقط حق العودة "لأنّ فلسطين يحملها أبناؤها معهم أينما ذهبوا ولن يمنعهم حملهم الجنسية اللبنانية من العودة إليها. بالإضافة إلى أنّني أعتقد أنّ من حق كلّ الفلسطينيين في لبنان أن يحصلوا على الجنسية، وليس أبناء اللبنانيات فقط". أما الحجج الطائفية فتقول لـ"العربي الجديد" إنّها هي بالذات لا تشكل لها أيّ خوف فأمّها مسلمة ووالدها مسيحي، لكن إذا كان السياسيون يتحججون بها "يمكن فرض ضوابط على الجنسية، كأن تُسحَب من الزوج حال الطلاق مثلاً". وتستغرب تأجيل الملفّ كلّ مرة: "متى يحين وقت قضيتنا؟ قبل عشر سنوات قالوا إنّ حرب يوليو/تموز هي القضية، وفي الأمس القريب قالوا إنّهم مشغولون بالانتخابات الرئاسية" وغيرها من المشاغل التي ترمي الملف مجدداً إلى دائرة النسيان.

إليان الناشطة في حملات التجنيس، والتي تزوجت عام 2002، عانت الكثير في خصوص طفلتها الكبرى: "تخيل أنّهم يعاملون طفلة معاملة العامل المصري في لبنان. طلبوا مني أن أكشف عن توفر مبلغ 2000 دولار أميركي مع طفلتي، عدا عن دفع مبلغ 50 ألف ليرة (33.7 دولاراً) بدل إقامة لشهر ثم تجديدها حتى ثلاثة أشهر (ارتفع المبلغ إلى 70 دولاراً أخيراً)". كلّ ذلك قبل الكلام عن المعاملة المهينة للموظفين الرسميين مع الأم اللبنانية وأبنائها الأجانب: "في إحدى المرات قال لي رجل أمن بانتقاص: مصريّ!؟ فأجبته بتهكّم: لم أجد لبنانياً". لا تجد إليان تبريراً لذلك: "كأنّ من الممنوع على الفتاة اللبنانية أن تحبّ من تريد والزواج منه. الرجل يحق له أن يمنح الجنسية لزوجته الأجنبية وأولاده، بل حتى أولاد زوجته الأجنبية الأرملة إذا كانوا قاصرين!".

تغيّر وضع إليان قليلاً على صعيد التعامل معها ومع عائلتها باحترام أكبر عندما باتوا كنديين أخيراً. باتت الإجراءات أسهل للحصول على الإقامة من دون مبلغ مالي. لكن، تبقى المسألة صعبة بالنسبة للبنانيات المتزوجات من عرب خصوصاً سوريين وفلسطينيين.

في السابع عشر من سبتمبر/ أيلول الماضي، قال وزير الخارجية اللبناني جبران باسيل من نيويورك وبكلّ صراحة: "أنا مع إقرار قانون منح المرأة الجنسية لأولادها، لكن مع استثناء السوريين والفلسطينيين للحفاظ على أرضنا. دستورنا وتركيبتنا لا يسمحان بمنح الجنسية لـ400 ألف فلسطيني".
تصريحات باسيل تصفها منسقة حملة "جنسيتي حق لي ولأسرتي" كريمة شبّو بالتمييزية. بل تشير لـ "العربي الجديد" إلى أنّ باسيل، ومن مثله، يقفون أساساً ضدّ منح المرأة جنسيتها لأولادها. أما عن التفريق بين الجنسيات فتقول إنّه يفوق التمييز الاعتيادي باتجاه "التمييز الثلاثي، فالمرأة المتزوجة من فلسطيني أو سوري عليها في هذه الحال أن تسعى إلى المساواة بالرجل اللبناني، وفي الوقت نفسه تسعى إلى المساواة بالمرأة اللبنانية المتزوجة من جنسية أخرى غير الفلسطينية والسورية".

تؤكد شبّو أنّ منح المرأة اللبنانية جنسيتها لأولادها ولزوجها لا يجب أن يدخل في لعبة الأرقام: "الحقوق لا تحتمل الأرقام. حتى لو كان هناك مليون امرأة أو واحدة فقط، هناك خطأ في القانون يجب تعديله". ذلك الخطأ بدأت الحملة -الأكبر في لبنان على هذا الصعيد- تكثيف المطالبات بتصحيحه مؤخراً، خصوصاً مع التحرك أمام السفارة الفرنسية في بيروت قبل يومين من ذكرى استقلال لبنان في العشرين من نوفمبر/ تشرين الثاني الماضي "لأنّ قانون الجنسية يعود إلى عهد الانتداب الفرنسي. هي رسالة مباشرة إلى الدولة، فكيف نحتفل بعيد الاستقلال وقوانيننا غير مستقلة؟".

تشير شبّو إلى إنجازات في بعض الدول العربية، لكن ليس في لبنان: "يتذرعون دائماً بما يسمّونه وضعاً خاصاً. لكن لا خصوصية في الحقوق. فالحجج السياسية واهية، وهم فقط لا يريدون الوصول إلى المساواة بين المواطنين والمواطنات. المساواة هي الوضع الطبيعي، وكما يعطي الرجل زوجته الأجنبية جنسيته يجب أن تعطي المرأة جنسيتها لأولادها ولزوجها أيضاً".