في مغزى العدالة الدولية

21 اغسطس 2020
الصورة
+ الخط -

ليس لبنان البلد العربي الوحيد الذي عانى من الجريمة السياسية، ومن اغتيالات سياسية زعزعت استقراره بعد اغتيال رئيس الحكومة السابق رفيق الحريري في فبراير/ شباط 2005. لكن تجربة المحكمة الدولية التي نطقت، أخيرا، بحكمها في جريمة قتل الحريري قد تكون استثنائية وفريدة من نوعها في الدول العربية، فللمرة الأولى ربما تدين محكمة دولية مشتبهاً به، هو المواطن اللبناني الذي ينتمي إلى حزب الله سليم عياش، وتبرئ ثلاثة آخرين من الحزب، لعدم توفر الأدلة الكافية لإدانتهم. الدلالة السياسية والمعنوية والأخلاقية لحكم المحكمة الدولية هائلة، على الرغم من قناعة أغلبية اللبنانيين بأن المدان لن يحاسب، ولن يعاقب على جرائمه، لا هو ولا الذين كانوا وراءه. 

أحيا حكم المحكمة الدولية الشيزوفرينيا اللبنانية: سليم عياش مجرم قاتل في نظر مجموعة من اللبنانيين، وهو مقاوم مجاهد في نظر أبناء بلدته حاروف في الجنوب اللبناني، وفي نظر كل جمهور المقاومة وحلفائهم في لبنان. لم يشعل حكم المحكمة نزاعاً سنياً شيعياً كما توقع محللون وحذر منه سياسيون، ولا يعود هذا إلى دعوة زعيم تيار المستقبل سعد الحريري، نجل رفيق الحريري، إلى التهدئة، بل يعود إلى شعور كبير وعميق بأن حكم المحكمة لن يغير الواقع السياسي المهترئ السائد في لبنان، خصوصاً بعد جريمة تفجير المرفأ، ولن يؤثر على سياسات حزب الله داخل لبنان وخارجه. 

المفارقة المؤلمة أن النطق بقرار المحكمة جاء في خضم مطالباتٍ لبنانيةٍ بإجراء تحقيق دولي في جريمة انفجار المرفأ في بيروت الذي يعاني سكان لبنان كله من تداعياته الكارثية. ما حدث في المرفأ جريمة ضد الإنسانية، مواطنون قتلوا داخل مكاتبهم ومنازلهم وداخل سياراتهم، وأحياء تحولت في لحظات إلى دمار.

يعلم اللبنانيون أن التسابق على مساعدتهم ليس لأسباب إنسانية فقط، بل هناك أهداف أخرى تخدم مصالح هذه الدول أيضاً

اعتقد بعض اللبنانيين الذين فقدوا، منذ زمن، الثقة بمؤسساتهم السياسية والقضائية، ويريدون المسؤول عن الكارثة التي ألمت بهم، أن تحقيقاً دولياً في جريمة المرفأ يمكن أن يتوصل إلى معرفة حقيقة ما حدث، لكن تجربة المحكمة الدولية، والقرار الذي نطقت به بعد أكثر من عشر سنوات من التحقيقات، وإنفاق مئات ملايين الدولارات، قد يدفعهم إلى إعادة التفكير بتكرار هذه التجربة. 

يتساءل اللبنانيون اليوم: هل في استطاعة أجهزة الدولة التحقيق في جريمة جميع مؤسسات الدولة الحكومية والإدارية والقضائية والأمنية متورّطة فيها بشكل أو بآخر؟ يرى بعضهم في مساعدة خبراء فرنسيين وأميركيين وغيرهم في التحقيق عنصراً مشجّعاً، لكن الأغلبية غير واثقة من ألا توظف نتائج التحقيق في خدمة أغراض سياسية تخدم أجندات هذه الدول. يعلم اللبنانيون أن التسابق على مساعدتهم ليس لأسباب إنسانية فقط، بل هناك أهداف أخرى تخدم مصالح هذه الدول أيضاً. من هنا شعور اللبنانيين بالتخوف والتوجس والقلق.

 اليوم بعد كارثة هائلة من نوع تفجير المرفأ لم تظهر أي دلائل تشير إلى بوادر تغيير جذري

الفرضيات الكثيرة وراء أسباب كارثة المرفأ، من الإهمال والفساد والحادث العرضي أو الانفجار المدبر، والاكتشاف اليومي لعمق الفساد المستشري في إدارة المرفأ المهترئة، وحجم استخفاف هذه الإدارة بالمصلحة العامة، ومدى استهتار الدولة بسلامة مواطنيها، بعد اعتراف رئيسي الجمهورية والحكومة بعلمهما بوجود مواد خطرة في المرفأ منذ سنوات، ذلك كله مضافا إلى الوضع المأساوي الذي يعيشه اللبنانيون منذ أشهر مالياً ومعيشياً، والمأزق السياسي الذي وصل إليه الوضع بعد استقالة حكومة حسّان دياب، يجعل الحياة في لبنان تمريناً يومياً على الصبر وتحمل المشقات والألم والمعاناة وانعدام الأمل. 

لدى حدوث كارثة كبيرة في دولة ما، يكون هذا سبباً لإجراء تغيير سياسي كبير. كان من بين أهم تداعيات اغتيال رفيق الحريري خروج قوات الجيش السوري من لبنان. اليوم بعد كارثة هائلة من نوع تفجير المرفأ لم تظهر أي دلائل تشير إلى بوادر تغيير جذري، لا في موازين القوى، ولا في قواعد اللعبة السياسية في البلد، فعلى الرغم من مرور أشهر على "ثورة 17 تشرين" والمطالبة بالتغيير، وعلى الرغم من الانهيار المالي والاقتصادي، والخراب والدمار الذي حل بالعاصمة، ما زال زعماء المنظومة التقليدية الفاسدة يتحكّمون بحياة اللبنانيين، أو بالأحرى بموتهم.