في المواقف المصرية من حراك سبتمبر

في المواقف المصرية من حراك سبتمبر

14 أكتوبر 2019
الصورة
+ الخط -
أحدثت دعوات الاحتجاج في مصر، وتظاهرات "20 سبتمبر"، وما تلاها، ردود أفعال متنوعة من القوى السياسية والدولة، بوصفها حدثا عارضا، لم يكن متوقعا، إذ تم تحليلها من منظور سياسي تقليدي، يعتمد على حالة القوى السياسية المنهكة، واستبداد الدولة وسيطرتها على المجال العام، إلا أن التحليل المتعمق للحالة المصرية، بما فيها من أزمة السياسة والاقتصاد، والمجتمع الذي يعاني أغلبه من تعثر سبل المعيشة، والدولة العاجزة عن القيام بأدوارها الاجتماعية، ينبئ بإمكانيات تولد حالة احتجاجية، ستتجدّد مستقبلاً، خصوصاً إذا وجدت قوى تتبناها، وتنظم حالة القابلية للاحتجاج لدى قطاعات شعبية، متأزمة من مجمل الظروف الاقتصادية والاجتماعية التي فاقمتها آثار سياسات الإصلاح الاقتصادي التي راهن النظام عليها لتحقيق انفراجة اقتصادية، بينما نتائجها ارتفاع زيادة معدلات الفقر، ونقص الخدمات، والعجز عن توفير فرص العمل، بما يناسب معدلات البطالة، وزيادة أعباء المعيشة وتكاليفها، بعد ارتفاع أسعار السلع الأساسية، وانخفاض القيمة الشرائية مع تحرير سعر الصرف، وكذلك اكتمل الإخفاق مع عدم مراعاة أولويات الإنفاق، بالإضافة إلى محدودية الأثر الإيجابي لمشروعات الدولة التي ركزت على مشروعات الخرسانة وأعمال المقاولات.
في هذا السياق، مهم فهم دور القوى السياسية وموقفها من الحراك، ذلك لأن القوى السياسية ونخبها، وعلى الرغم من تفاوت قوتها في مراحل الحركة الاجتماعية المصرية، لعبت دورا في تطوير الاحتجاجات ومساندتها، وتوفير مظلة لها، والتشبيك معها، والتأثير فيها، والاستقواء بها أحيانا. وتمتلك القوى السياسية كوادر لديها خبرة، يمكنها مستقبلا توفير حد أدنى من التنظيم، ورفع مطالب تجذب قطاعات أوسع لساحة الاحتجاج. وعموما تبلور الكتل السياسية والجماهيرية المنظمة أفق الاحتجاجات ومستقبلها، إذ تفاعلت معها، سواء كانت المطالب 
جذريةً، كتغير النظام، شكلا ومضمونا، أو إصلاحية، تتبنّى قضايا جزئية مهمة، سياسية كإطلاق حرية التعبير، أو مطالب اقتصادية كتوفير السلع والخدمات، وتناسبها مع الأجور.
اليوم عطّلت الأدوار التي لعبتها القوى السياسية والنقابية والحركات الشبابية سابقا، من حيث الفعل والتوجيه والدعوة والمشاركة، لعدة أسباب، أهمها ضعف القوى السياسية والشبابية نتاج تفتتها، خصوصا مع حالة الانقسام المتكرّرة بعد ثورة يناير، على عكس حالتها قبيل الثورة، كان أغلب اليساريين والليبراليين والإخوان المسلمين والحركات الشبابية يستهدفون إسقاط الرئيس حسني مبارك ونظامه. بعد الثورة، شهدت تلك القوى تشظيا أول، لأسباب عديدة وبطرق مختلفة، إسلاميين في السلطة مع المجلس العسكري ضد مدنيين والعكس. اكتمل فصل التشظي مع حكم نظام "30 يونيو" الذي وظف فرصة تجمع القوى السياسية ضد حكم الإخوان لهيمنته المطلقة. لم تسلم القوى التي ساندت النظام من الحصار والتضيق، أصبحت في مرمى الهجوم، وعانت من التشويه، على الرغم من مطالبها الإصلاحية، وإيمانها بما سمي حلف 30 يونيو، وتعرّضت بعض كوادرها للملاحقة، فضلا عن تأميم العمل النقابي وحصاره، والإجهاز على التجربة الجنينية في التنظيم النقابي المستقل، وإنهاء الحركات الشبابية تقريبا التي ظهرت قبيل الثورة، والتي انتهت فعليا بعد عام 2014، ولم تبق إلا جولات الصراع، والقبض على بعض كوادرها حتى الذين تركوا العمل السياسي.
كانت استجابة القوى السياسية للتظاهر في سبتمبر/ أيلول الماضي مخاطرة من حيث تكلفتها، بالإضافة إلى أن الدعوات إلى التظاهر كانت من فرد خارج النخبة السياسية والحزبية (المقاول والفنان محمد علي)، ومبهمة الأهداف، بل وكانت محل تشكك وريبة، فضلا عن حسابات بعض القوى عن مستقبل التظاهرات إذا اتسعت، والبدائل السياسية حينها، خصوصا وأن أغلبها يتخوّف من عودة الإخوان المسلمين إلى المشهد، أو أن يحسب استجابته للتظاهر اصطفافا مع الجماعة التي جرى تشويهها تماما، وحبس كوادرها، وإضعافها إلى أقصى درجةٍ جعلت وجودهم في مظاهرات سبتمبر شبه معدوم، بل جعلت كل معارض يعتقل على خلفية دعم تنظيم يتبنى العنف.
لم يكن حراك 20 سبتمبر، وكذا المظاهرات على الرغم من محدوديتها العددية، ببضعة آلاف 
في خمس محافظات، أمرا بسيطا، ذلك أن مواطنين غير مسيسين يخوضون تجربة التظاهر ضد نظام يمارس التخويف بشكل مستمر، في سلطوية لم تعرفها مصر من قبل، في أجواء حصار أمني محكم، وصل إلى احتلال الميادين وتطويق الشوارع والطرق. في هذه الظروف، كان المتظاهرون في موقف بطولي حقيقي، وإن كان خاطفا يغلب عليه حالة الكر والفر، بينما غابت القوى والنخب السياسية عن المشهد، ولم تُبد تعليقاتٍ إلا بعد حدوث تلك الاحتجاجات، وكانت ردود الأفعال أقرب إلى صيغ المعلق الرياضي، أو التحليل السياسي العابر، أو لهجات التذكير بصحة تحليل هنا وهناك أو تحذيرات من تعسف السلطة وقمعها للسياسيين، الأمر الذي جعل الكرة في ملعب الحراك العفوي. واتصفت ردود أفعال كثيرة لقوى سياسية بطابع محافظ، بينما استخدمت قوى أخرى المظاهرات ورقة ضغط على النظام، من أجل إبراز مطالب إصلاحية، باستثناء "الإخوان المسلمين" وحركة الاشتراكين الثوريين. لم ترحب القوى السياسية بالتظاهر أو الاحتجاج، على الرغم من إعلان بعضها التفهم وتحليل أسبابه، ورفع بعض المطالب الاقتصادية والسياسية.
يمكن حصر ردود فعل القوى السياسية في ثلاثة مواقف: أولها الصمت وعدم التعليق على المظاهرات، والامتناع عن تحديد موقف منها. بينما أصدرت الكتلة الثانية بيانات تطالب بإصلاحات عاجلة ديمقراطية واقتصادية، وتفاوتت مواقف تلك الأحزاب من التحذير من المظاهرات بوصفها قد تستخدم لإشاعة الفوضى، وما بين تحليل أسبابها وعدم معارضتها أو المشاركة فيها. القوى الثالثة، وهي الأقرب إلى تأييد النظام، اتسم موقفها بإدانة المظاهرات، ووصفها بأنها مؤامرة دولية بقيادة "الإخوان المسلمين" ومخابرات دول خارجية. لا يختلف هنا التوصيف الأيديولوجي على طبيعة المواقف كثيرا، فقد التقت مجموعات يسارية محدودة، كأحزاب التجمع والشيوعي والناصري، مع موقف أحزاب ذات خلفيات عسكرية وأمنية، وأخرى ليبرالية، هي تمثيل لمصالح شركات ورجال أعمال يساندون النظام، كأحزاب مصر الحديثة والمؤتمر والمصريين الأحرار ومستقبل وطن. وتلتقي معهم أحزاب تقليدية، كالوفد والناصري، متحدين تحت راية مساندة النظام. كذلك جاء موقف ما تسمّى تنسيقية شباب الأحزاب التي تجمع شباب أحزاب التجمع والناصري والمصريين الأحرار وأحزاب رجال الأعمال والعسكريين السابقين، وأحزاب الفكّة المصرية المنبثقة من الحزب الوطني، متماثلة مع أحزابها، بينما تحفظت حركة 6 إبريل، أو ما تبقى منها، على المشاركة في تلك المظاهرات.
أما كتلة المعارضة الرئيسية المنضوية تحت الحركة المدنية الديمقراطية، والتي تضم خمسة أحزاب، أبرزها الكرامة والدستور والاجتماعي الديمقراطي والعيش والحرية، فأصدرت، بعد 
التظاهرات بيومين، بيانا طالبت فيه بالإفراج عن المعتقلين، وإطلاق الحريات، وفتح المجال العام، وإجراء الانتخابات النيابية بنظام القوائم، ومحاربة الفساد، وإعادة النظر في السياسات الاقتصادية وضبط الإنفاق. تبعه بيان آخر، دعت فيه الحركة جمعيتها التأسيسية إلى اجتماع في 20 أكتوبر/ تشرين الأول الحالي، لبحث مستقبل عملها، وحدّدت ثلاث قضايا رئيسية، ستطرح في مؤتمراتٍ تناقش الحريات، والسياسات الاقتصادية، ومواجهة أزمة سد النهضة. وقد استُهدفت كوادر الحركة بشكل مستمر، بداية من مجموعة "خلية الأمل"، والتي ضمت حسن بربري، وهشام فواد، وزياد العليمي، وآخرين، وقبلهم المتحدث السابق باسم الحركة، يحيى حسين، وما تلا ذلك من حملات اعتقال، قبل تظاهرات سبتمبر وبعدها، شملت كوادر شبابية وحزبية من أحزاب التحالف الشعبي والعيش والحرية والدستور، ضمن "معتقلي سبتمبر" الذين تجاوزوا ألفين، منهم من أفرج عنه، ومنهم من هو رهن التحقيق، كما ضمت الحملة نخبا أكاديمية، كالأمين السابق للجمعية الوطنية للتغيير، حسن نافعة، وحازم حسني المتحدث السابق لحملة الفريق سامي عنان.
وإجمالا، اتسم موقف القوى السياسة المصرية من الدعوة إلى التظاهر أو المشاركة فيها بالتردّد نظرا إلى ضعفها وارتفاع تكلفة التظاهر، وعدم وضوح الدعوة، وطبيعة مصدرها أيضا. ولم تلحظ مشاركة قوى سياسية بالمظاهرات. ولكن وبفضل تجربة التظاهر خلال أسبوعين متتالين، تشكلت أمام القوى السياسية فرصة للضغط، من أجل برنامج اقتصادي وسياسي يمكن البناء عليه، وجمع أطراف أخرى للعمل المشترك من أجل تنفيذه، كما تؤشر مظاهرات سبتمبر إلى أن تحدّي الحصار المفروض على المجال العام ممكن. وفي كل الأحوال، فتح "حراك سبتمبر" أفقا جديدا للعمل السياسي، ومثل درسا للقوى التي تريد التغيير بأن إمكانات الفعل ممكنة، وأن النظام ليس بالقوة التي رسمها. وكشفت التظاهرات عن حالة من تململ مجتمعي، إن لم تقدها القوى السياسية، يمكن أن تظهر بشكل عفوي، أو تلتقطها قوى جديدة، ربما تتشكل نتاج الأزمة السياسية والاقتصادية القائمة.