فناجين حوّا

02 اغسطس 2018
الصورة
راشد دياب/ السودان
+ الخط -

هل نُبالغ إن قلنا إنَّ أفضل مكانٍ لتلمُّس أرواح المدن هو مقاهيها؟

بالتأكيد، ما كان لهارون الرشيد المولَع بارتياد الأسواق متنكّراً في أثواب العامّة - على ما تروي الحكايات - أن يختار غير زاويةٍ في مقهى شعبي، لو أنه عاش في زمننا هذا، فيسمع أحديث مُختلفة عمّا ألف سماعه من مستشاريه، ومن الإذاعات والتلفزيونات الرسمية.

فكّرتُ في ذلك وأنا أجوب شوارع الخرطوم وأم درمان وبحري، خلال زيارةٍ إلى السودان قبل عقد؛ إذ كان لا بُدّ من التعريج على أكثر من مقهىً: المقاهي الشعبية التي تُزاحمُ فيها الكادحينَ همومُهم، والعريقة التي تروي حكاياتٍ من أزمنة مضت.

كان لا بدّ من زيارة "أتِني" في الخرطوم؛ ذلك المقهى الذي فتحه برجوازي يوناني قبل قرابة قرن وأعطاه اسم أثينا، ثمّ "يوسف الفكّي" و"أم الحسن" في أم درمان. ارتبط الاثنان بأسماء بارزة؛ فالأوّل زاره العقّاد، والثاني كان النميري كان أحدَ روّاده الأوفياء.

لكن تلك الأرواح لا تكتفي بأجساد من حجرٍ وخشب، بل تخرج إلى الشارع أيضاً. إنه نوعٌ مختلف من المقاهي لا تكاد تلتقي به في غير الخرطوم؛ حيثُ تجلس سيّداتٌ، منذ الصباح الباكر، على الأرصفة، وقد وضعن طاولاتٍ صغيرة عليها صحون وأباريق وأكواب وفناجين.

في مقهاها الصغير بشارع السيّد عبد الرحمن، في قلب الخرطوم، استقبلتني حوّا، خمسينية شربتُ قهوةً من يدَيها، ثمّ رحتُ أستمع إليها، بينما كانت تغسل فناجينها وتسرد حديثاً شائقاً عن مشاهداتها خلال ثلاثين عاماً هي العمر الذي قضته في تلك المهنة. كانت أشبه ببصّارة تنظر في قاع الفنجان، لكنها تقرأ ما مضى، لا ما سيُقبل.

تُرى هل لازالت حوّا تُقدّم قهوة وشاياً و"ويكا" وحكايات للعابرين؟

المساهمون