فتحي التريكي: دخول زمن القهر؟

18 سبتمبر 2020
الصورة
فتحي التريكي
+ الخط -

خلال مشواره، قدّم المفكّر التونسي فتحي التريكي (1947) مقاربات أساسية لإشكاليات عربية كبرى مثل تأصيل الحداثة والتفكير في الحرب والروح التاريخية والعيش معاً. المحور الأخير يمكن اعتباره فضاء اشتغال كرّس له التريكي جهوده حيث يظهر في أعماله مثل "فلسفة الحياة اليومية" و"العقل والحرية" و"قراءات في فلسفة التنوع" و"استراتيجية الهوية".

يتواصل هذا الانشغال في السنوات الأخيرة التي برز فيها مفهوم ما بعد الحقيقة في خطاب المفكّر التونسي؛ حيث تبدّى خلال محاضراته أبرزها تلك التي قدّمها في 2018 مع المفكر اللبناني علي حرب.

وفي محاضرة أقيمت افتراضياً أوّل أمس الأربعاء بتنظيم من "حلقة مينرفا للبحث الفلسفي" في المغرب، يعود التريكي إلى قضية العيش معاً عبر هذا المفهوم المستحدث وضمن الواقع الجديد الذي فرضه فيروس كوفيد_19.

يبدأ التريكي محاضرته بحديث يتعلق بسياق كورونا، حيث يرى أنه على عكس كثير من المقولات لن يُحدث هذا الطارئ تغيّراً جذرياً في البشرية على الرغم من تسجيل تغيّرات في القيم، كصعود التآزر، لكن المظهر الأبرز هو صعود ظاهرة العزلة الاجتماعية، وهي بحسب التريكي حاضرة منذ ترسّخ التكنولوجيات الرقمية في حياتنا منذ عقدين على الأقل، حيث برزت مظاهر الانطواء والتقوقع، ولذلك نتائج سلبية منها العنصرية باعتبارها شكلاً من استبعاد الآخر، ثم تتحوّل الفروقات إلى خلافات وبؤر عنف. 

يربط التريكي بين هذا السيق وانشغالاته، حيث يشير إلى أنه منذ 1997 جعل من إشكالية العيش معاً ضمن أطر من الكرامة مبحثه الرئيسي الذي قاده إلى تجذير قيم التضامن والتآزر والتآخي، وهي قيم يرى أن أحداث عصرنا تؤدّي إلى أن تصبح ضعيفة أكثر فأكثر، وهو واقع يجعل منها أولوية قصوى للدفاع عنها من قبل المجتمع المدني. 

يرى صاحب كتاب "الفلسفة الشريدة" أن هذا الواقع سيغيّر المرحلة التي نعيشها، والتي نسمّيها بالعولمة، العولمة بحسب التريكي ستتغيّر ملامحها، حتى أنه بدأ الحديث عن فترة ما بعد العولمة، والتي تتميّز بعودة الحدود، ولها انعكاسات مفاهيمية حيث ستتغير دلالات مفاهيم مثل الفردانية والديمقراطية والدولة، والأخيرة ستعود إلى مركزيتها التي كانت عليها قبل زمن العولمة، وبالتالي ستتدخّل من جديد في الحياة الاجتماعية بقوة بل ستتدخّل في الحياة الحميمية أيضاً. 

يرى التريكي أننا دخلنا في ذلك إلى ما يمكن تسميته "زمن القهر"، حيث لا يمكن فصل جشع الإنسان عن جشع الليبرالية، وهو ما يعيدنا إلى مقولة هوبز عن كون الإنسان ليس إلا ذئباً لأخيه الإنسان، وهو أمر منطقي لأن الطبيعة غير مقنّنة بالعقل، إذ تتحكّم فيها العواطف والغلبة أي أشكال العنف، ويكون بالتالي البقاء للأقوى.

هكذا فإن كورونا - بالنسبة لفتحي التريكي - أتاحت لليبرالية شكلاً جديداً من تقييد الإنسان هو الحجر الصحّي، وهو شكل من أشكال الفرز أي التمييز بين من نتركهم يموتون ومن نتركهم يعيشون. يرى التريكي أن المهمة الأساسية للممارسة الفلسفية اليوم هي مقاومة كل ذلك، من خلال فحص الحقائق.