غزيون تعبوا من أكل البقوليات

17 أكتوبر 2018
الصورة
مستقبل خطير (محمد الحجار)
+ الخط -

داخل بلدة خزاع، شرق مدينة خان يونس، جنوب قطاع غزة الفلسطيني المحاصر، يقف، محمد النجار (47 عاماً) أمام قطعة أرض قاحلة تبلغ مساحتها دونماً واحداً، كان عليها مصنعه الصغير لمواد التنظيف والمعدات الصحية الصغيرة الذي كان يعود عليه وعلى 30 عاملاً وأسرهم بالدخل الجيد قبل العدوان الإسرائيلي على غزة، عام 2014، لكنّ النجار انضم إلى قائمة من 5427 اسماً من أصحاب المنشآت الذين ينتظرون تعويضات العدوان، ويعيشون ظروفاً معيشية صعبة جداً.

الفقر سمة حياة النجار، إذ لا يتمكن من تأمين مواصلات أطفاله الذين يدرسون في مدرسة تبعد عن منزله 3 كيلومترات، في منطقة عبسان الكبيرة، شرق خان يونس، كما يلاحقه الدائنون، نتيجة عدم تمكنه من سداد ثمن بعض المواد الخام التي أحضرها في يونيو/ حزيران 2014، أي قبل العدوان الإسرائيلي بشهر، ولم يتمكن من تصريفها.

يقول النجار لـ"العربي الجديد": "حياتي انقلبت، فبعدما كنت أتناول طعاماً جيداً وأوفر لأبنائي السبعة الملابس والتعليم الجيد، بتّ مديوناً بـ150 ألف دولار أميركي، إلى جانب عدم قدرتي على تأمين الطعام الجيد. تعب أبنائي من البقوليات، وسأموت من الوعود. لا أريد أن يعود مصنعي، أو تعويضي، أريد سدّ ديوني وإنشاء مشروع آخر بالتعويضات".

حياة كئيبة (محمد الحجار) 

عرض النجار أرضه للبيع ليتمكن من سدّ الديون وتأمين حاجيات المنزل، لكن لا يجد أي مشترٍ في ظلّ الأزمة الاقتصادية، فالمنطقة تعرضت لقصف إسرائيلي وهي غير مرغوب فيها، في ظل تخوف المشترين من عودة العدوان الإسرائيلي واحتمال قصفها. يحصل على دعم من أحد أقاربه المهاجرين في النرويج، فقط، لكي لا يموت أبناؤه من الجوع، كما يشير.

لا تختلف حال أحمد أبو حبل (43 عاماً). كان تاجراً للملابس المستوردة قبل العدوان الإسرائيلي على غزة، وبدأت حاله تزداد سوءاً حتى تعرض لانتكاسة بعدما خسر في تجارته عام 2016 ومنتصف 2017، وتقدم في يناير/ كانون الثاني الماضي، إلى طلب لوزارة التنمية الاجتماعية للحصول على مبلغ معونات كلّ ثلاثة أشهر، لكنّ طلبه رفض لتصنيفه كتاجر. اليوم، يعيش في منزل مستأجر بعدما باع منزله لسداد ديونه، وهو متخلف عن دفع الإيجار منذ 4 أشهر.

لا يحصل أبو جبل على أيّ معونات من أحد، يشعر بالضيق عندما يضرب أقاربه وأصدقاؤه فيه مثلاً على التجار الذين أصبحوا فقراء، ويقول لـ"العربي الجديد": "إن لم يتحرك الساسة والقادة الفلسطينيون لتغيير حالنا، لا أستبعد أن تبدأ ثورة الجياع، فإذا أحرقت نفسي عندها، لن أبالي، لأنّنا لا نملك شيئاً نخسره، فكرامة الغزيين باتت في الحضيض".

حيّ من التنك في غزة (محمد الحجار) 

من جهتهم، يعتبر عمال قطاع غزة أبرز الفئات التي واجهت الفقر نتيجة الظروف الاقتصادية والعدوان الأخير وتشديد الحصار، بحسب، رئيس الاتحاد العام لنقابات عمال فلسطين، سامي العمصي، الذي يشير إلى أنّ نسبة العمال الفقراء باتت أكثر من 80 في المائة. هؤلاء يعيشون أوضاعاً كارثية كما يصف. ويقول الناطق باسم الغرفة التجارية في غزة، ماهر الطباع، إنّ الأخطر هو أنّ العمال الغزيين يعملون بأقل الأجور، إذ تدنت أجرة بعضهم إلى 3 دولارات أميركية يومياً، كما أنّ شركات كبيرة في القطاع سرحت عشرات من عمالها، كان آخرها شركة "السكسك" لصناعة الأدوات الصحية التي سرحت 50 عاملاً.

أحمد أبو بشارة (41 عاماً) حداد سابق، وعاطل من العمل منذ أربعة أعوام. قبل نحو شهرين، باع منزله ليحصل على مبلغ يمكّنه من تأسيس مشروع صغير يعود على الأسرة بدخل بسيط يحمي أفرادها من الجوع الذي يواجههم باستمرار. عانت طفلة أبو بشارة، ليندا (عام ونصف) من الجفاف والإسهال الشديد، نتيجة عدم تلقيها غذاءً مناسباً، فوالدتها تعاني من مشاكل في الإرضاع. في منزله خمسة أطفال لم يتلقوا غذاءً مناسباً منذ نحو عامين، وهكذا باع المنزل وأنشأ بسطة متنقلة يبيع عليها السكاكر والمشروبات الساخنة.




يقول أبو بشارة لـ"العربي الجديد": "لم أتلقَّ معونات من وزارة التنمية الاجتماعية، إذ أخبروني أنّ الأسر الأشد فقراً هي التي تحصل عليها. وجرى تسجيل حالتي أخيراً ضمن عشرات آلاف الأسر التي تنتظر إدراجها ضمن الأسر الفقيرة لتحصل على مبلغ مالي كلّ 3 أشهر. عانيت مع زوجتي من الجوع، وتظاهرنا أمام الأطفال أنّنا بخير، لكنّني اضطررت لبيع المنزل والإقامة في منزل مستأجر، بعدما جاعوا ومرضوا".

بحسب نتائج آخر مسح أجراه مركز الإحصاء الفلسطيني في منتصف إبريل/ نيسان الماضي، تبيّن أنّ نسبة الفقراء في قطاع غزة، بلغت 53 في المائة، ووصلت نسبة الفقر المدقع إلى 33.8 في المائة.