غزو الإستاكوزا الأميركية للنيل... نقمة تحولت إلى نعمة في مصر

14 فبراير 2020
الصورة
أضرار كبيرة تخلفها الإستاكوزا في البيئة المائية المصرية(العربي الجديد)
+ الخط -
يصف الأستاذ المساعد لعلوم البيئة المائية في كلية العلوم بجامعة عين شمس محمد سعيد، نظرة الصيادين المصريين الحالية لـ"الإستاكوزا" النيلية بالمختلفة حاليا، إذ كانوا في السابق يقومون بالتخلص منها وحرقها، بينما الآن يقومون بصيدها، لتصديرها حية أو مصنعة إلى الخارج، وتحديدًا إلى أميركا الشمالية والصين.

وأجرى سعيد بحوثًا ميدانية ومسحًا كاملًا لنهر النيل من أجل دراسة ذلك النوع من القشريات، والذي ينتمي إلى ما يطلق عليه "إستاكوزا المستنقعات الحمراء" كما تسمى أيضا بروكامبرس كلاركي، ويتم إنتاج 90% من حجم المحصول السنوي لهذا النوع في ولاية لويزيانا بالولايات المتحدة الأميركية، وفق ما وثقه معد التحقيق عبر موقع الهيئة العامة لتنمية الثروة السمكية الحكومية الإلكتروني.


مخاطر الانتشار في النيل

يحصر الدكتور مصطفى فودة مستشار وزيرة البيئة للتنوع البيولوجي، أهم أضرار الإستاكوزا في تغذيها بشراهة على سمك البلطي أحد أكثر أنواع الأسماك التي يأكلها المصريون، كما تمزق شباك الصيادين، وتفسد التربة، وهنا يكمل رئيس قسم البيئة المائية بكلية العلوم في جامعة عين شمس، مجدي توفيق خليل، موضحا اكتشاف تجاويف وحفر يصل حجمها إلى متر في الترع والمصارف قامت بها تلك الكائنات الغازية للبيئة المصرية، مما يتسبب في انهيارات لها ويدمرها.

ويعيش هذا الحيوان في حفر يلجأ إليها هربا من أعدائه أو أثناء البيات الشتوي، كما تلوذ بها الأنثى أثناء وضع البيض، وهو عادة يكمن خلال النهار ثم يخرج ليلا بحثا إما عن الطعام أو للتزاوج، وفق ما جاء في ورقة "استاكوزا المياه العذبة ما لها وما عليها" المنشورة على موقع هيئة الثروة السمكية المصرية.

ويكمن "الضرر الأكبر في كون تلك القشريات عائلًا وسيطًا لبعض أنواع البروتوزوا (كائنات أولية تتغذى عليها بعض الديدان الطفيلية)، ما يُسبب مشكلاتٍ بيطريةً عديدةً للكائناتِ النهرية، لافتا إلى أن بعض الأمراض التي تستضيفها إستاكوزا المياه العذبة يُمكن أن تنتقل إلى الإنسان عن طريق تناولها، ومنها الأمراض التي تُسببها النيماتودا، وهي ديدان أسطوانية الشكل تُسبب التهاباتٍ شعبيةً حادة، كما يُمكن أن تنقل تلك الكائنات مرض التهاب السحايا إلى دماغ الإنسان"، بحسب ما جاء في مقال نشره الموقع الإلكتروني لمجلة "scientificamerican" نقلا عن دراسة حالة نفذها محمد رضا الأستاذ بالمعهد القومي لعلوم المصايد والبحار.


كيف دخلت إستاكوزا المياه العذبة إلى مصر؟ 

لكن ما كان محيرا هو متى وأين بدأ غزو هذا الحيوان القشري المعروف أيضا بـ"جراد البحر الأميركي" مياه النيل؟ في البداية، كان محتملا أن هذا الكائن دخل المياه المصرية من جهة الجنوب، حيث إن وجوده في مياه السودان كان معروفا للعلماء منذ زمن إضافة إلى العديد من بلاد حوض النيل في وسط أفريقيا لكنه لم يوجد في مياه النيل في مصر العليا (جنوب الجيزة)، كما تقول الهيئة العامة للثروة السمكية على موقعها مضيفة: "توصل العديد من الباحثين المصريين إلى أن نقطة البداية لانتشار هذا النوع هي عدة مئات منه تم استيرادها أوائل الثمانينات من الولايات المتحدة لاستزراعها في إحدى المزارع السمكية في منطقة منيل شيحة بمحافظة الجيزة. ورغم أن هذا المشروع قد توقف بعد قليل إلا أن القدرات البيولوجية غير العادية لهذا الحيوان القشري قد أتاحت له بل ومكنته من أن يستقر وينتشر خلال السنوات الأخيرة في البيئة المائية المصرية. ومن محافظة الجيزة تسلل إلى معظم المحافظات الشمالية مرورا بمحافظة القاهرة". 





نقمة تحولت إلى نعمة

سمحت هيئة الثروة السمكية التابعة لوزارة الزراعة المصرية بتصدير إستاكوزا المياه العذبة للدول الآسيوية، إذ يوجد طلب كبير على تناولها، كما تقول الدكتورة أماني أحمد، مدير عام الإدارة العامة للشؤون البيطرية في هيئة الثروة السمكية، مشيرة إلى أن تصديرها يدر دخلاً، ويفيد البلاد في دخول العملة الصعبة، كما يفيد البيئة المصرية بالتقليل من أعداد الإستاكوزا التي تضر بالنظم الإيكولوجية للمياه العذبة.

وقام الصينيون ببناء أول مصنع في مصر لمعالجة وتصدير الإستاكوزا في عام 2003، حتى زاد العدد إلى عشرة مصانع، وفق ما قاله الدكتور مجدي خليل، والذي لفت إلى أن 80% من الإستاكوزا التى استوردتها الصين بين عامي 2014 و2017 جاءت من مصر، حتى صارت مورد دخل للعديد من الأسر ومن بينها ماجد عبد السلام حسن أحد كبار موردي الإستاكوزا بالصعيد جنوب مصر والذي بدأ في يونيو/حزيران 2010 بجمع الإستاكوزا التي كانت موجودة بكثافة في تلك الفترة، لبيعها لمصنع في مدينة العبور بالقليوبية بـ 4 جنيهات (0.26 دولار أميركي) للكيلو، وصدرها المصنع إلى الخارج بـ 6 جنيهات (0.38 دولار). ويشير حسن إلى أن سعر الكيلو يصل الآن إلى 40 جنيهاً (2.56 دولار) لوزن يتجاوز 40 غراماً لكل واحدة، و20 جنيهاً (1.28 دولار) للأحجام الصغيرة التي تصل إلى 20 غراماً، وقد يصل سعرها في بعض الأحيان إلى 60 جنيهاً (3.83 دولارات).

وبلغت الكميات المصدرة من الإستاكوزا 13 ألف طن خلال عام 2019، وفق ما يؤكده الخبيران أماني أحمد ومجدي خليل الذي لفت إلى مفارقة هامة، إذ أسهمت الإستاكوزا في القضاء على انتشار قواقع البلهارسيا التي نشرت المرض في مصر، نظرا لتغذيها عليها بشراهة.






ويصعب القضاء على الإستاكوزا بأي شكل من الأشكال، وحتى إذا تم اللجوء إلى المبيدات، لأن هذا الحيوان يتحمل كل أنواع وظروف البيئة المائية، كما يستطيع تحمل جميع درجات الحرارة وأقصاها سواء المنخفضة أو المرتفعة، لذلك لا بدّ من تقليل أعدادها بصيدها وفق ما يقوله رئيس قسم البيئة المائية بكلية العلوم في جامعة عين شمس.



وتعمل 7 شركات مصرية حالياً بتصدير الإستاكوزا إلى أميركا والصين، وفقاً للمورّد حسن، الذي يقول لـ"العربي الجديد" أن الإستاكوزا ذات قيمة غذائية عالية، وذات طعم جيد قريب من طعم الجمبري، لكنها لا تحظى بإقبال من المصريين حالياً، ويتوقع حسن أن يختلف الوضع في المستقبل، خاصة بعد إنشاء مزارع لها في مصر، كونها أرخص من الجمبري الذي يتراوح سعره بين 150 (10 دولارات) و200 جنيه، أي ما يعادل (12.78 دولاراً).





ويبدأ موسم صيد الإستاكوزا من شهر مارس/آذار وحتى نوفمبر/تشرين الثاني، كما يوضح حسن، مبيناً أنه يجري تصدير الإستاكوزا إلى الصين حية، بينما تصدر إلى أميركا مصنعة ومطبوخة.

وأجاز الاتحاد الأوروبي لحوم الإستاكوزا تمهيداً لاستيرادها، ولم يجد بها أي ملوثات من معادن ثقيلة أو ترسبات، وفقاً للخبير مجدي خليل، والذي قال إن هذا الحيوان خلال فترة نموه يقوم بعمل 9 عمليات انسلاخ للقشريات، ما يؤدي إلى إخراج جميع السموم من جسمه.

وتنتشر الإستاكوزا حالياً في جميع المحافظات المصرية على طول نهر النيل، ويحدث أفضل إنتاج لها في أسوان بمعدلات كثافة ونمو عالية، كما يقول خليل، موضحاً أن 35% من حجم الإستاكوزا لا يصلح للأكل، لأنها عبارة عن مخلفات لكن يمكن أن تستخدم في تصنيع مواد مفيدة، إذ تدخل في صناعة الأدوية وتنقية المياه، لافتاً إلى أن هذا النوع بدأ بشكل عام في التأقلم مع البيئة المصرية، وأصبح نموه فيها أفضل وأسرع من بيئته الأصلية بنهر المسيسبي في أميركا، كونه يأكل أي شيء أمامه من أسماك وغيرها، وساعد في نموه بهذا الشكل الكبير عدم وجود أعداء طبيعيين له في البيئة المصرية.

وتمكن الاستفادة من مخلفات الإستاكوزا، واستغلالها تجارياً، نظرا لأن قشور الإستاكوزا غنية بكربونات الكالسيوم ومضادات للسموم، وفق ما توصلت إليه الأكاديمية مروة مدحت، أستاذ البيئة المائية بكلية العلوم في جامعة عين شمس، خلال إعدادها دراسة الدكتوراه.

وتوضح أنه يتم تحويل هذه القشريات إلى مادة "الكيتوزان" ذات الفائدة الطبية، إذ يمكن استغلالها كمادة طبيعية غير سامة في مضادات السرطان وعلاجه، مثل سرطان الثدي والكبد، وبالفعل تم تجريبها بنجاح على خلايا سرطانية، إذ يحتوي جسم الإستاكوزا على 23% من مادة الكيتوزان التي تخرج كمخلفات طبيعية، ومن ناحية أخرى يمكن استعمالها في تغذية الأسماك كأعلاف تعمل على تحسين النمو والمناعة لأسماك البلطي.