غزة وكلفة الفراغ السياسي والأمني

29 اغسطس 2017
الصورة
لو كانت اعتبارات "الأمن القومي" حقا هي التي تحكم السياسات التي يتبناها نظام عبد الفتاح السيسي، لكان من المنطقي أن يحدث تحول جذري على علاقته بحركة المقاومة الإسلامية (حماس) التي دللت، بدماء أبنائها، على عمق التزامها بالحفاظ على أمن سيناء، واحترامها التفاهمات التي توصلت إليها معه، فقد كان استشهاد أحد عناصر أمن الحركة، وجرح آخر بشكل بالغ، الثمن الذي دفعته "حماس" قبل ثلاثة أسابيع، لكي تحبط تسلل إحدى خلايا السلفية الجهادية إلى سيناء، قام أحد عناصرها بتفجير نفسه في دورية الأمن التي اعترضت طريقها. ولو كان هناك إنصاف وموضوعية، لأوعز نظام السيسي لأبواقه الإعلامية بإبراز الحادثة، والإشادة بسلوك "حماس" التي طالما شيطنتها. وبدلا من أن يفي بتعهداته في التفاهمات مع الحركة، ويخفف الحصار الذي يسهم في فرضه على القطاع، "كافأ" نظام السيسي "حماس" بالتضييق بشكل غير مسبوق على الفلسطينيين الذين حاولوا مغادرة القطاع أو العودة إليه، عندما فتح معبر رفح لأول مرة، بعد الحادثة، مع العلم أن جميع الذين توجهوا إلى المعبر هم ممن لديهم وثائق تدلل على أنهم يغادرون القطاع لدواع إنسانية.
دلل سلوك نظام السيسي تجاه القطاع أيضا على تهاوي الرهانات على تفاهمات "حماس" مع القيادي المفصول من حركة فتح، محمد دحلان؛ حيث أن الالتزام بتخفيف مظاهر الحصار على غزة، سيما تحسين ظروف عمل معبر رفح، هو البند المشترك في تفاهمات الحركة مع كل من دحلان ومصر.
وإذا كان سلوك القاهرة تجاه القطاع قد بدا مفاجئا، سيما بعدما دللت "حماس" على جدّيتها في تأمين الحدود مع سيناء، فإن هناك ما يدلل على أن سقف توقعات الحركة من التفاهمات الثلاثية كان متدنيا، حتى قبل أن يتم اختبار مدى احترام نظام السيسي لها. فتأكيد الحركة أن قيادتها السياسية تدرس توصية جهازها العسكري، كتائب عز الدين القسام، بإحداث فراغ سياسي وأمني في القطاع، والتخلي عمليا عن حكم غزة يشي بعدم ثقة الحركة في عوائد هذه التفاهمات، وإلا فما مسوغ مناقشة إحداث الفراغ السياسي والأمني، إن كانت "حماس" تؤمن حقا بأن التفاهمات مع مصر ودحلان ستفضي إلى إحداث تحول إيجابي على الحياة في القطاع.

تعتقد "حماس" المحبطة من نتائج التفاهمات مع مصر ودحلان، واليائسة من فرص إنهاء الانقسام الداخلي مع السلطة الفلسطينية، أن تهديدها بإحداث الفراغ السياسي والأمني؛ والذي يعني عمليا منح الفصائل الفلسطينية الأخرى حرية عملٍ ضد الكيان الصهيوني؛ يحمل في طياته رسالة إلى تل أبيب والسلطة والقوى الإقليمية والدولية، مفادها بأنها مستعدة لقلب الطاولة، في حال تواصل الحصار على القطاع على هذا النحو.
لكن، إن كانت "حماس" جادة في تبني خيار إحداث الفراغ السياسي والأمني ردا على تهاوي الرهانات على التفاهمات مع مصر ودحلان، وتعبيرا عن اقتناعها بتلاشي فرص إنهاء الانقسام مع السلطة، فإنها ترتكب خطيئة كبرى، فإعلان حالة الفراغ السياسي والأمني في القطاع لن يعفي "حماس" من مسؤوليتها، باعتبارها عنوانا سلطويا وحيدا أمام إسرائيل التي ستظل ترى في الحركة الجهة التي ستجبي منها الثمن، ردا على أي عمل عسكري ينطلق من قطاع غزة. من هنا، سترد إسرائيل على كل عمل تقوم به أية جهة فلسطينية، انطلاقا من القطاع بضرب أهداف حماس. وإن ردت "حماس" على إسرائيل، فان هذا سيمنح الأخيرة الذريعة لشن حربٍ أكثر ضراوة من الحرب التي شنتها على القطاع في صيف 2014، فتوفير المسوغات لشن الحرب على القطاع سيكون بمثابة هدية لرئيس الوزراء الإسرائيلي، بنيامين نتنياهو، المعني بتغليب أجندة أمنية على الجدل العام، للفت أنظار الجمهور الإسرائيلي عن قضايا الفساد التي تورّط فيها، وانتهت بتوصية الشرطة والنيابة العامة بتقديم لوائح اتهام ضده.
وبخلاف ما كانت عليه في صيف 2014، فإن أية حرب قادمة على القطاع ستكون أكثر تدميرا وفتكا؛ حيث أن تقرير "مراقب الدولة" الصهيوني الذي حقق في مسار حرب 2014 انتقد صناع القرار في تل أبيب، لأنهم سمحوا بأن تمتد تلك الحرب إلى أكثر من 50 يوما، مطالبا بأن يتم تصميم أي حرب مقبلة بحيث تكون أقصر بكثير، للحيلولة دون شلل العمق المدني الصهيوني مدة طويلة. ومن أجل ضمان أن تكون الحرب قصيرة، فإن هذا يعني استخدام قوة نيران هائلة، لحسم المواجهة في أقصر وقت. ولا حاجة للتذكير بأنه، في حال اندلعت مواجهة جديدة؛ فإنها ستندلع في ظروف إقليمية توسع من هامش المناورة المتاح أمام إسرائيل، لتحقيق أغراضها من الحرب. ولا حاجة لاستشراف سبل التعاطي مع نتائج الحرب، وما يسفر عنها من دمار؛ حيث أنه، بخلاف قطر التي تولت تمويل مشاريع إعادة الإعمار وتنفيذها بعد حرب 2014، بدون أية اشتراطات سياسية، فإن الأطراف العربية الأخرى، وبالتنسيق مع إسرائيل، ستحرص على مقايضة مشاريع إعادة الإعمار في أعقاب أية حرب، باستعداد "حماس" للتنازل عن قوتها العسكرية، إلى جانب تقديم تنازلاتٍ سياسية أخرى.
من هنا، سيزيد إحداث الفراغ السياسي والأمني الأمور تعقيدا، وسيقلص فقط من مكانة حركة حماس في مواجهة الأطراف الأخرى. وبدلا من ذهابها إلى خيار الفراغ السياسي والأمني المكلف، على "حماس" محاولة العمل على تقليص هامش المناورة أمام رئيس السلطة محمود عباس، ونزع الذرائع التي يستند إليها في تبرير تعطيل المصالحة، وفرض مزيد من الإجراءات العقابية ضد القطاع؛ من خلال قبول شرطه بحل اللجنة التي تدير شؤون القطاع؛ سيما وأن الجميع يعلم أن وجود اللجنة من عدمه لا يؤثر عمليا على إدارة القطاعات الخدمية في القطاع.
قد يلجأ عباس إلى فرض مزيد من الشروط، لكن "حماس" بقبولها هذا الشرط تكون قد دللت بأنها قامت بما عليها من أجل إنهاء الانقسام.