عودة تظاهرات الحراك الجزائري: استعادة المسار الاحتجاجي أم تسرّع؟

23 اغسطس 2020
الصورة
اعتقلت الشرطة أكثر من 100 ناشط (رياض قرامدي/فرانس برس)
+ الخط -

هل كانت التظاهرات المحدودة للحراك الشعبي في الجمعة الأخيرة مجرد بروفة، وإعلاناً رسمياً عن استئناف التظاهرات والمسيرات؟ يبدو الأمر كذلك، بعد نحو خمسة أشهر من تعليقها بسبب أزمة وباء كورونا. وقد تولى الناشطون، الذين يشكلون النواة الرئيسية للحراك في كل ولاية ومدينة، مهمة كسر الحظر المفروض على هذا النوع من التجمعات والمظاهر السياسية. 
لكن الجمعات المقبلة وحدها هي التي ستحسم ما إذا كان الحراك بصدد استعادة زخمه الشعبي، أم أن السلطة نجحت في استدراج الكتلة الغالبة من الشعب إلى مسار الإصلاحات السياسية والدستورية. واختار نشطاء الحراك الشعبي الترميز للتظاهرات الأخيرة بالجمعة 79، في إشارة إلى أنها استمرارية لجمعات الحراك الشعبي منذ أول جمعة في 22 فبراير/ شباط 2019، وإلى أن الحراك لم يتوقف في بعده المطلبي والاحتجاجي. وتظهر خريطة تظاهرات الجمعة الأخيرة محدودية عدد المشاركين فيها، وأنها شملت 21 ولاية من مجموع 48، فيما سُجلت في بعض الولايات تظاهرات في أكثر من مدينة.

لم تبرز في التظاهرات الجديدة مطالب استثنائية خارج سياق الشعارات المركزية للحراك

واللافت أيضاً أن مدناً في الجنوب والصحراء كانت أكثر حضوراً في التظاهرات، إذ شهدت مدينة تيميمون، في أقصى الصحراء الجزائرية، خروج أول تظاهرة صباح أول من أمس الجمعة. كذلك شهدت مدن المشرية وبشار وبسكرة وتقرت وقفات ومسيرات للناشطين. وتوزعت خريطة التظاهرات أيضاً على مدن وسط البلاد، كالمسيلة والأغواط والبليدة والمدية، والمدن الكبرى في الغرب، مثل وهران وتلمسان وسيدي بلعباس وغليزان، وفي الشرق كسطيف وعنابة وبرج بوعريريج وسكيكدة. لكن أكبر التظاهرات سجلت في مدن منطقة القبائل، كبجاية وتيزي وزو، وهي منطقة معروفة بالتمرد السياسي على السلطة منذ عقود.

في العاصمة الجزائرية، خرجت مسيرة من حي باب الواد الشعبي، لم تكن بالحجم المتوقع لاعتبارات عدة، تخص تعطيل حركة النقل العام لمنع وصول المتظاهرين إلى وسط العاصمة، لكنها كسرت حاجز الصمت. ولم تبرز في التظاهرات الجديدة مطالب استثنائية خارج سياق الشعارات المركزية للحراك، والمطالبة بإطلاق سراح الموقوفين. لكن أكثر شعار تردد هو المطالبة بدولة مدنية تستبعد أية هيمنة للمؤسسة العسكرية على السلطة وصناعة القرار، وتبرز أيضاً إعادة نقض المتظاهرين شرعية الرئيس عبد المجيد تبون واعتباره صنيعة الجيش وخيار الجنرالات. وهذا يوضح أن مكونات الحراك ترفض الإقرار بشرعية الأمر الواقع، وأيضاً تطوير موقفها من مسألة الشرعية الانتخابية التي أفرزتها انتخابات 12 ديسمبر/ كانون الأول الماضي، بخلاف كثير من القوى السياسية والمدنية التي راجعت موقفها إزاء التعاطي مع السلطة السياسية الجديدة، وقررت المشاركة في خطة الإصلاحات السياسية والدستورية التي يطرحها تبون.


تبدو السلطة واثقة من عدم قدرة ما تبقى من مكونات الحراك الشعبي على تعطيل خطتها
 

وأظهر التحفز الأمني الذي اتخذته السلطات، منذ صباح الجمعة، أنها تتعاطى مع الدعوات لاستئناف الحراك الشعبي بجدية، مخافة أن تكرر نفس الخطأ الذي ارتكبته عشية بدء تظاهرات 22 فبراير 2019، عندما فوجئت بالثورة وبتدفق الشعب إلى الشوارع. واعتقلت الشرطة، في تظاهرات الجمعة الماضي، أكثر من 100 ناشط في عموم البلاد، أطلق سراح غالبيتهم بعد تحرير محاضر ضدهم بتهمة كسر الحظر الصحي. غير أن هذه الإفراجات تعطي أيضاً مؤشراً على رغبة السلطة في تلافي خلق حالة جدل إضافية حول المعتقلين وحق التظاهر، خصوصاً أنها تحملت ضغطاً داخلياً ودولياً كبيراً في هذا السياق.
وتذهب بعض القراءات السياسية إلى اعتبار أن العودة إلى التظاهر، من دون وجود تفاهمات معلنة بين مكونات الحراك على أرضية سياسية واضحة، تدخل الحراك في سياقات عبثية لا طائل منها، وتثير الشكوك بشأن ما إذا كانت مكوناته، من القوى السياسية والمدنية، تملك رغبة فعلية في إنجاح الحراك والوصول بمطالبه إلى غاياتها، أم أن التظاهرات مجرد آلية لتحسين شروط التفاوض مع السلطة.
وقال الكاتب والمحلل السياسي محمد أيوانوغان، في حديث مع "العربي الجديد"، إن تزامن عودة تظاهرات الحراك الشعبي مع ذكرى محطة تاريخية (مؤتمر الصومام لثورة التحرير في 20 أغسطس/ آب 1956)، وحضور مختلف الفعاليات المكونة للحراك يقود إلى "طرح سؤال، ما الذي يمنع الأطراف التي يجمعها الحراك، رغم اختلاف مشاريعها السياسية، من إطلاق مبادرة سياسية واضحة المعالم؟ في الحراك هناك أحزاب لها تاريخ وبرامج سياسية معروفة، وأطراف أخرى ترفض الكشف عن أفكارها، وتفضل أن تختبئ وراء مبادئ عامة كدولة مدنية وليس عسكرية أو العدالة والحريات". وأضاف "في رأيي حان الوقت ليكشف كل طرف عن هويته الحقيقية، وعدم الدفع بالمواطنين إلى الشارع من دون بوصلة، وتعريضهم للاعتقال دون عنوان واضح". وتابع "إذا استمر إبعاد النقاش والبحث عن أرضية سياسية للحراك، واستمر ترقب عودة المسيرات من عدمه، فهذا معناه أنه لا توجد نية في إنجاح الثورة الشعبية، بل هناك سباق لجني ثمارها".
وتزامنت عودة تظاهرات الحراك الشعبي من حيث التوقيت السياسي مع إعلان تبون تنظيم استفتاء دستوري نهاية أكتوبر/ تشرين الأول المقبل، تليه انتخابات نيابية ومحلية قبل نهاية السنة الحالية، لتجديد البرلمان والمجالس المنتخبة في البلديات. وفيما تبدو أن هذه العودة تستهدف منع السلطة منفردة من تنفيذ خطة إصلاح سياسي ودستوري يرسم حدود التغيير السياسي وفقاً لمتطلباتها أكثر منه استجابة لمطالب الشعب، فإن السلطة تبدو واثقة من قدرتها على إقناع غالبية المجتمع السياسي والمدني بالانخراط في مسعى إعادة تشكيل الدولة ومؤسساتها، ووضع إطار للإصلاح السياسي والانتقال الديمقراطي السلس. كما تبدو واثقة بشكل كبير من عدم قدرة ما تبقى من مكونات الحراك الشعبي، المصرة على العودة إلى الشارع، على تعطيل خطتها، بالنظر إلى عوامل عدة تتعلق بالارهاق المجتمعي وبعض القرارات التقدمية التي اتخذها تبون على صعيد تغييرات محورية في مناصب حساسة في الجيش والأمن، وتحرير المبادرة الاقتصادية والمجتمعية وقرارات لصالح الشباب.
لكن هذه القرارات والتعهدات السياسية لا تلغي وجود حالة احتقان اجتماعي نتيجة الإخفاق الفادح للحكومة في معالجة بعض المشكلات، كأزمات السيولة النقدية والمياه والكهرباء، وجنوح السلطة إلى الخطاب القديم، وتبرير الإخفاق بعامل المؤامرة. إخفاقات تتغذى منها مطالب الحراكيين، وتُبرز أن السلطة لم تتغير في نسقها السياسي، بالإضافة إلى مشكلات البيروقراطية في الإدارة واستمرار التضييق على الحريات دون وجود مؤشرات جدية للسلطة الجديدة لتحقيق انفتاح في هذا المجال وفي المجال الإعلامي، وهي أبرز الدوافع المحفزة لمكونات الحراك للعودة إلى الشارع.
ومع وجود بعض التردد لدى جزء من مكونات الحراك الشعبي بشأن دوافع وجدوى العودة للشارع، خصوصاً في ظل استمرار الظروف الصحية التي أدت إلى تعليق التظاهرات في مارس/ آذار الماضي، ستمثل الجمعات المقبلة امتحاناً جدياً للحراك لإثبات قدرته على استعادة المسار الاحتجاجي بزخم أكبر، أم أن الأمر يتعلق بخطوة غير محسوبة، في ظل غياب أرضية مطالب سياسية ورؤية واضحة تحظى بالإجماع لدى هذه المكونات.