عن زيف الشعارات الإنسانية

27 ابريل 2015
الصورة

حين تقرأ وتسمع لبعض المثقفين والناشطين، والمهتمين بالشأن العام، على امتداد الوطن العربي، يُخيّل إليك أنهم يعملون في منظمات الإغاثة الإنسانية، لكثرة ما يتحدثون عن الأحداث الجارية في أكثر من بقعة عربية، بلغة الحرص على الأوضاع الإنسانية، ولكثرة ما يتباكون على المعاناة الإنسانية التي أنتجتها الصراعات المتنقلة عربياً. لكن، عند التدقيق في هذا الخطاب، يمكن ملاحظة انتقائية الحس الإنساني عند هؤلاء، بسبب انخراطهم في الصراعات الأهلية العربية بشكل كامل، ما يجعلهم يوظفون الشعارات الإنسانية لمصلحة انحيازاتهم السياسية ضمن الصراعات القائمة، كما أن الحديث عن المعاناة الإنسانية ليس منطلقاً من الدعوة لوقفها، بل لاستخدامها من أجل مزيد من الانخراط في الصراعات الدموية.

يمكن ملاحظة تصاعد خطابات المظلومية في النقاشات العربية، وهو أمر طبيعي، نظراً لأن كل فريق سياسي ضمن الصراعات العربية، يحتاج إلى سردية تشرعن انخراطه في هذا الصراع، وتموضعه فيه، وتُبيح استخدام كل الوسائل في مواجهة الخصوم. وهنا، يأتي دور مجموعات من الناشطين والإعلاميين والكتاب، المنحازين لهذا الفريق، ليقوموا بالترويج لسردية مركزها مظلومية هذا الفريق السياسي (الممثل عادةً لجماعة أهلية معينة)، ويركزوا على الانتهاكات المنافية لأبسط معاني الإنسانية بحق جماعتهم، وهم لا يكتفون بضخ أخبارٍ ربما تكون غير صحيحة أو مبالغاً فيها، أو منزوعة من سياقها، عن جرائم بحق هذه الجماعة، وإنما يتجاوزون ذلك إلى التظلم من وسائل الإعلام، العربية والأجنبية، ومن عدم انحيازها بشكل كافٍ إلى روايتهم، وهذا التظلم هدفه دفع وسائل الإعلام إلى تقليص مساحات التغطية حول معاناة الخصوم، والتركيز فقط على المعاناة الإنسانية لجماعتهم.

هذا التركيز على مظلومية جماعتهم، ونفي أو التقليل من مظلومية ومعاناة الآخرين الإنسانية، بل وإبداء الانزعاج من أي حديث حول مظلومية جماعاتٍ أخرى، لا يهدف إلى تنافسٍ جنوني وعبثي على تحصيل جائزة "الأكثر مظلومية"، لكنه يهدف إلى تحقيق أغراض سياسية، باستخدام الخطاب الإنساني، منها نزع الإنسانية من الخصوم، وتصويرهم همجاً ووحوشاً وشياطين، لا يمكن التفاهم معهم، وعادةً تنسحب هذه الشيطنة على الفريق السياسي الخصم وأفراد الجماعة التي يدَّعي تمثيلها، والمطلوب من تكرار الحديث عن المظلومية والمعاناة الإنسانية، هو شحن أفراد الجماعة وتعبئتهم، ليردوا على استهدافهم، وليندفعوا في قتال الخصوم على كل الجبهات، وأيضاً، إقناع الرأي العام العربي، بوجوب التموضع مع هذه الجماعة في صراعها مع خصومها.

هنا، يصبح الخطاب الإنساني قنطرة لمواصلة المأساة الإنسانية، عبر شحذ الهمم لمزيد من الاقتتال الأهلي، فهؤلاء الناشطون والإعلاميون ليسوا متعففين عن الخوض في الصراعات الدموية، وهم يفضلون لعب دور جمهور كرة القدم الذي يهتف لفريقه المفضَّل بكل حماسة، وتحريض الفريق الذي يهتفون له على التقدم في الصراع الأهلي، كما أن استدعاء التدخلات الخارجية، بحجج إنسانية، يشير إلى حجم استخدام شعارات المعاناة الإنسانية، لتحقيق أغراض سياسية.

من الواضح أن الموقف عند هؤلاء من التدخلات الخارجية، تحكمه انحيازاتهم السياسية لأطراف الصراع، فالتدخل الحميد هو ذاك الذي ينصر جماعتهم، وهو تدخل "إنساني" تمليه الأخلاق، أما التدخل لمصلحة الخصوم، فهو اعتداء وخيانة، ويبرر لهم فعل كل شيء لمواجهته، متناسين أن للخصوم مبرراتهم "الإنسانية" وغيرها لطلب هذه التدخلات. كما أن التدخل الخارجي يزيد حالة الحقد بين الجماعات المتصارعة، ويؤدي إلى مزيد من سفك الدماء، ما يتناقض مع الطرح الإنساني، الداعي إلى وقف شلالات الدم، وهذا ما يجعل المطالبة بالتدخل الخارجي شاهداً آخر على استخدام المعاناة الإنسانية، للحشد والتعبئة، في سبيل تحقيق مصالح الجماعة السياسية.

يسهل توضيح تهافت الحجج الإنسانية في طلب التدخلات الخارجية، وكشف زيفها، وعدم انطلاقها من الحرص على البشر، فالحديث عن المجازر والمذابح التي تشرعن التدخل الخارجي أمر يخص جماعة بعينها دون غيرها، والحديث عادةً عن أعداد القتلى، واستفظاع الجرائم، يشير إلى سقوط الحجج الإنسانية، فلا نعرف كم عدد الضحايا الموجب لطلب التدخل الخارجي، ولا ندري ما إذا كانت الجريمة الفلانية فظيعة كفاية أم لا لشرعنة التدخل الخارجي، ما يعني أن المسألة لا تتعلق بالجريمة بذاتها، بل بشكلها وأسلوبها وعدد ضحاياها، بل وهوية الضحايا، وكل هذا التناقض، أصله أن هذه الحجج الإنسانية، تُوظَّف لخدمة المصالح السياسية لأطراف محددة، ويُستدعى التدخل الخارجي لنصرتها على أعدائها.

من الممكن فهم رفع الشعارات الإنسانية من حقوقيين، وأشخاصٍ ضد سفك الدماء، ليسوا منخرطين في الصراعات الأهلية العربية، ولا يهتفون لأجل استمرارها، ولا يستنهضون الغرائز لمزيد من القتل، أما المشجعون على الصراع فهم يخدعون الرأي العام، بإطلاق الشعارات الإنسانية، إذ إنهم يستنكرون سفك الدماء وقتل المدنيين، حين تكون ضد مصالحهم السياسية، فيما لا يرون بأساً من دكِّ المدنيين دكاً، إن كان في ذلك مصلحة سياسية، ولا يرون في التعرض للمدنيين إلا أضراراً جانبية.

الأحداث المتوالية أفضل من يفضح المتغطين بالشعارات الإنسانية، فمن يرفع هذه الشعارات ليس دائماً حريصاً على حقن الدماء، وتناقضاته في النظر إلى الدماء والمعاناة الإنسانية، تفضح انحيازاته السياسية، المتدثرة بدموع التماسيح.

تعليق: