عندما تزداد انتهاكات حقوق الإنسان في المدن

08 اغسطس 2020
الصورة
+ الخط -

على مدار عقود ماضية، كانت المدن الحديثة تعرّف بأنها منارات حماية حقوق الإنسان، ولا سيما الحق في الحياة، عبر آليات إعمال القوانين وسبل العدالة الجنائية إزاء المعتقدات والقيم التقليدية التي تهدر الحق في الحياة على خلفيات قيمية/ دينية مختلفة، والحق في الخصوصية، باعتبار الأفراد هم وحدات العمل والتنقل والكسب وأساس العلاقات داخل المجتمع وبين المجتمع والدولة على السواء، بعكس الأوضاع في مجتمعات أقل "تمدّنًا" تعتبر الأسرة أو القبيلة أو العائلة الممتدة أساس العلائق المجتمعية والسياسية، والحق في التعبير عن الرأي، باعتبار المدينة مساحةً يخلق فيها الأفراد "أركانًا" خاصة بهم، تخالف أو توافق التوجهات العامة للآخرين، والحق في التنقل، باعتبار كل من يقطن بالمدينة مقرًا ومسلمًا بمنطق التنقل (الترانزيت) بحسب وجهة العمل والتعليم، بينما تبقى الجذور والمساحات الأصيلة في الضواحي والأرياف البعيدة عن مركز العمل والمال والتنقل.

صعود السوق إلى الهيمنة العالمية أدى إلى انتهاك حقوق الإنسان في السكنى والأمن المجتمعي، عبر عمليات عديدة

ولكن هذه الرؤية المثالية، أو ربما النظرية، للمدينة لم تعد سارية الأثر في بلدان عديدة، فعمليات التحول إلى الرأسمالية عبر خصخصة مشروعات القطاع الخاص ودعمها في المجالات التي سبق أن تولتها "دولة الرفاه"، بحسب العقد الاجتماعي المفترض بينها وبين المواطنين، أدت إلى تسليع الإنسان من جهة، وتسليع الأرض والإسكان من جهة أخرى. وتشير معدلات التهجير في أكثر المدن العالمية إلى مدى انتشار الظاهرة، وأثرها على حياة ملايين غير معدودة من الأفراد، ففي 1985، قدرت دراسة تهجير 1.5% - %3.5 من سكان مدينة نيويورك من مساكنهم، ما يعني قرابة مائة ألف إلى 250.000 (ربع مليون) إنسان في مدينة واحدة فقط من مدن العالم الحديث. وإن كانت الحجة، في عقود سابقة، "تحديث" المدينة، أو ما تسمى عملية الـgentrification، فالواقع أن صعود السوق إلى الهيمنة العالمية قد أدى إلى انتهاك حقوق الإنسان في السكنى والأمن المجتمعي، عبر عمليات عديدة لإعادة توزيع فرص "الإسكان"، بحسب أولويات الربح، ومن ثم إعادة توزيع الثروات لصالح النخب الرأسمالية في المدينة والمراكز الحضرية. وبالتالي، إعادة توزيع الحقوق في المدينة لصالح قلة من الأغنياء، وضد غالبية الموظفين والعاملين من أبناء الطبقة الوسطى والدنيا الذين لا يندرج تصنيفهم الاجتماعي/ المالي ضمن معايير "النخب"، على الرغم من إصرار منظومة السوق على ضمّهم في مسارات العمل والكسب في المدينة، بحكم التوزيع غير العادل لفرص العمل والكسب بين المراكز الحضرية والمناطق التابعة لها.

بلغ عدد الانتهاكات المرصودة للحرمان من الحرية في القاهرة نحو 43%

وحيث تزداد التهديدات والتحدّيات لحياة غالبية الأفراد في المدينة، فالواقع أن التوجهات السياسية للنظم غير الديمقراطية تزيد الوبال على هذه الفئات، فبالنظر إلى توزيع انتهاكات الاختفاء القسري والحرمان من الحرية، مثالاً، عبر محافظات مصر، بحسب تقرير منظمة كوميتي فور جستس للعام الجاري، يتضح أن الأفراد في محافظات المركز (الدلتا والوجه البحري) أكثر عرضةً للانتهاكات المذكورة من الأفراد في محافظات الجنوب والوجه القبلي. فعلى سبيل المثال، بلغ عدد الانتهاكات المرصودة للحرمان من الحرية في القاهرة نحو 43% وفي الشرقية نحو 20%، وفي الإسكندرية نحو 9%، من إجمالي 1266 انتهاكًا خلال النصف الأول من العام الجاري، مقارنة بـ0.9 (أقل من 1%) من الانتهاكات في محافظات الفيوم والوادي الجديد والإسماعيلية وأسيوط مجتمعة، وعلى المحكّ نفسه، بلغت نسبة انتهاكات الاختطاف والإخفاء القسري للأفراد من أفراد الأمن 68% (423 من إجمالي 619 انتهاكًا) في المحافظات الثلاث الأولى، القاهرة والشرقية والإسكندرية، مقابل 0.6% في الإسماعيلية وأسيوط.

حيث تزداد التهديدات والتحدّيات لحياة غالبية الأفراد في المدينة تزيد التوجهات السياسية للنظم غير الديمقراطية الوبال على هذه الفئات

تقدم بعض النظريات الاجتماعية تفسيرًا لتلك الظاهرة، حيث يساهم سياق التمدّن، سابق الذكر، في أن تستفرد مؤسسات الدولة ومنفذي القانون بالأفراد، حال انفصالهم عن جماعات الانتماء الحاضنة، خصوصا التي تربطهم بها روابط الدم والمصاهرة، والتي يغلب انتشارها في ضواحي المدن، ومن ثم افتقاد الأفراد فرص الضغط والحشد المجتمعي ضد الانتهاكات الواقعة بحقهم، خصوصًا عبر آليات الحكم/ الإدارة المحلي(ة). وعلى الرغم من أن هذا يبقى تفسيرًا "تمييزيًا" لصالح الدول الأكثر حظًا من التمدين والمؤسسية، إلا أنه يبقى ملمحًا لتفسير هذه الوقائع. ويبقى الأصل أن حقوق الإنسان لا تحميها الدول ومؤسسات السلطة، سواء المركزية أو المحلية، بل تحميها آليات الحشد والضغط الحقوقي داخل المجتمع، ومن ثم يبقى الحديث عن "مدن حقوق الإنسان" نخبويًا، ما لم يسبقه ضغط دولي لإقرار حقوق المجتمع، أفرادًا وفئات، في مواجهة السلطة.