عبور مساحات فارغة​

29 يوليو 2020
الصورة
شفيق عبود/ لبنان

هنالك عتمة لا أجدك فيها
الصحراء لا تشبهك
بحر الرمال ليس أنت،
أعبد سرّي
ومثل كفيف لا يرى
أمرّر أصابعي على الورق الأصفر للكتاب 
فيرتدّ إليّ
حفيف أصابعك 
وارتعاش 
الأضلاع التي تتنفّس.

■ 

وقد رأيتُ، كما يرى الأعمى بمسام جلده التي
هي عيناه
كيف أننا كنّا
حين استصغرنا هذا العالم، حين أصبح
غرفاً مهدّمة السقوف.
غرفاً يلطّخها الدخان ورائحة البارود 
والخوف
والتداعي
هذا العالم الذي
بسكاكينه ونيرانه
وأرواحنا الخِرقٌ.
وضعتُ موتي على كتفيك
كالثوب.

يجد المرء نفسه عندما يكون خاوياً
بلا وجهة أو طريق
لذلك وعندما يعبر الحقول والمساحات الفارغة
يصبح فجأة طائراً أو شجرة شائكة
عند عنق السماء
تمرّ شاحنة ممتلئة
بين فراغاتها ألمح كائناً في صورته الطازجة.
زهري وملوّث، وكم يذكّرني
بالأيام وكم يخيّل لي أنها الحياة
أليفة
وقذرة،
تُجرّ في زنزانة أمام عيني
هذه التي لطالما كنت أمعن النظر فيها
كما لو حركة فم يضمّ نفسه وينبسط.

لم نكن المحاربين يوماً، لم نحمل الرماح
لم نصوّب على قاتل أو قتيل
لا ضحية 
ولا طريدة
لكن الحرب كانت تطحن دائماً
تمحو أحلاماً
وتوهم بأخرى ليست إلّا نجاة مفقودة
لم أطفُ من الجحيم بك أو معك 
ضعتُ مرّاتٍ عديدة، وأضعت أيادٍ وأغصاناً
وحبالاً وجسوراً
لقد كان هوسي الشديد بالحفر
والمخالب والندوب التي لا تشفى.
هل يهمّ أيضاً 
غير أننا نجرّب جروحاً في مواضع جديدة 
متاهة بلا أبواب
أو مفاتيح 

■ 

لديّ وساوس كثيرة، كره بصمات الأصابع على الزجاج، بقاء كلّ قطعة أثاث في مكانها دون أدنى تغيير، استحضار خلفية موسيقية لكلّ حدث كلّها تؤدّي إلى الانحدار السحيق، الالتفات إلى الوقت في النوم أكثر من اليقظة، حساب الخسارات كالخراف التي بثغاء لحوح تنبّه الإشارات العصبية كلّها في آن، اختلاق رائحة قبيحة للخيبة، صداقة كل حركة صامتة، الإمعان في الرهافة التي تتبدّى على الجلد، المرآة في عيون الآخر التي تجعل المشاهد بصفاء الماء، إلغاء كلّ ما مضى، حياتك بأسرها، لأنك ولدتَ في الربيع الذي ولدتُ.

■ 

عتمة، قليل من ضوء مصباح الطاولة يجعل الملامح متباينة.
عين متّقدة، وأُخرى يترقرق الدمع في قلبها ويمحو السواد. أكسر حبة المنوّم إلى نصفين، أتناول نصفاً ورشفة ماء. أجمع خصلات الشعر المنثورة وأبدّد اللباس في أرجاء المكان.
أتضاءل كمن ينزل إلى قاع بئر خاوية: 
تُتاح لي أخيراً فرصة تتبّعك، فيّ
في الكلمات، في الكتب المبعثرة إلى جوار السرير
ودفتر اليوميات المثني على بضع عبارات كنتُ أحاول فيها أن أنغمر لأصل كالجذر في تربة يابسة. أتبعك فيّ، في الأخريات
أمنح نفسي فرصة أن أكونك
كل ليلة في المنام لامرأة. 


* شاعرة من السعودية من مواليد 1984