عبد الكريم الإرياني: مهندس الظل لهادي ومثير غيظ صالح

عبد الكريم الإرياني: مهندس الظل لهادي ومثير غيظ صالح

14 ديسمبر 2014
أقصى صالح الإرياني من المؤتمر (فرانس برس)
+ الخط -

لا تزال المقابلة المطوّلة التي أجرتها أسبوعية "26 سبتمبر"، المتحدثة باسم الجيش اليمني، مع السياسي البارز عبد الكريم الارياني، مستشار رئيس الجمهورية، تُثير، منذ الخميس الماضي، جلبة إعلامية في البلد، لأربعة أسباب تتعلق بتوقيت المقابلة، المنبر الذي نشرت فيه، المضامين التي احتوتها، وشخص الإرياني الذي يعدّ في نظر الكثيرين واحداً من أبرز اللاعبين السياسيين في الساحة اليمنية خلال العقود الثلاثة الماضية.

تطرق الإرياني في المقابلة إلى مواضيع عديدة وشائكة، مقدّماً العديد من الأجوبة لكثير من التساؤلات التي تشغل بال اليمنيين في الفترة الأخيرة، إلا أن المقابلة فجّرت أسئلة جديدة حول دوره في رسم الخطوط العامة التي سارت عليها العملية الانتقالية في اليمن منذ تنحّي الرئيس علي عبد الله صالح أواخر 2011 وانتقال السلطة لنائبه هادي، الذي بات يشكّل مع الارياني، ثنائياً منسجماً في مشهد سياسي محتدم.

تناول الإرياني الدور العُماني باليمن، خلال حديثه، أكثر من مرّة، وبرّر إحجام دول الخليج عن تقديم الدعم للحكومة اليمنية بأن "سيطرة جماعة أنصار الله (الحوثيين)، أنتجت وضعاً شاذاً في البلاد يتعذّر بسببه على الأشقاء دعم الحكومة". واعتبر مستشار رئيس الجمهورية أن خيار تقسيم البلد لإقليمين هو "انفصال مؤجّل"، معترفاً أن جماعة "أنصار الله" هي مَن يحكم حالياً في اليمن، رافضاً ذرائع الجماعة بأن أتباعها يساعدون الدولة في بسط الأمن ومحاربة الإرهاب. كما انتقد قرار حزب المؤتمر الشعبي العام القاضي بتجريده هو وهادي، من منصبيهما في قيادة الحزب الذي يقوده صالح.

ولا تقل أهمية الانطباع الكلي الذي تتركه المقابلة، عن أهمية التفاصيل الواردة فيها. ويتلخّص هذا الانطباع في أن المقابلة تشير إلى أن الارياني له ضلع في صناعة الموجِّهات العريضة التي تُدار بها البلاد في العامين الماضيين. وبدا الرجل في الحوار كمَن يدافع عن نظريات سياسية قام بوضعها هو.

تضمّن كلام الإرياني نقداً صريحاً للأوضاع التي آلت إليها البلاد، واختلفت الآراء في تفسير هذه الرؤيا الناقدة، خصوصاً أنها نشرت في صحيفة كانت ولا تزال بنظر كثيرين، "ترمومتراً لقياس المزاج الرئاسي". ولعلّ المقابلة لو لم تكن منشورة بصحيفة رسمية لكان النقد طال هادي نفسه. ثمّة مَن يفسّر تلك النبرة الناقدة بأنها محاولة لاستعادة ثقة الخليج الذي أحجم عن تقديم الدعم للحكومة بسبب تسلّط الميليشيات، ومَن يرى أنها نوع من التنفيس جراء انحدار الأوضاع الى الأسوأ، وآخرون يرون أنها "إبراء ذمة" من قِبل الرجل، فيما اعتبرها فريق رابع بأنها مقدمة لممارسة ضغوط جادة على الحوثيين لسحب مسلحيهم من المدن.

على أن الشاهد بالمجمل هو أن الرجل الثمانيني، الذي يوصف بالداهية، عاد إلى واجهة الأحداث، بعدما كان مهندس ظلّ الفترة الماضية يفضّل العمل في الخفاء والبُعد عن الأضواء. ولعلّ المتابعين للملف اليمني يدركون أهمية اسم عبد الكريم الارياني بوصفه واحداً من الساسة المُعتّقين في البلد، ولكونه ظل يستحوذ على ملف السياسة الخارجية لليمن لعقود، وكذلك لما يمتلكه من صداقات وعلاقات مع قادة وسياسيين كثر في الشرق والغرب.

كيمياء السياسة

يتحدّر الارياني من أسرة علم وحُكْم وقضاء في محافظة إب، جنوبي غرب البلاد. وعمُّه هو الرئيس الأسبق عبد الرحمن الارياني، القاضي والأديب الذي حكم شمال اليمن في مرحلة صعبة لثماني سنوات بين عقدي الستينيات والسبعينيات. ونال شهادة الدكتوراه في الكيمياء الحيوية من جامعة ييل الأميركية عام 1968، وتفرّغ بعدها لكيمياء السياسة.

ومنذ منتصف السبعينيات وحتى بداية الألفية الثالثة، لم يخلُ تشكيل حكومي من اسمه، تارة في الزراعة وتارة في التخطيط وأخرى في التربية والتعليم، على أن أكثرها كان في حقيبة الخارجية، فضلاً عن كونه تقلّد منصب رئيس الوزراء لمرتين متباعدتين.

اشتهر خلال عقد الثمانينيات بأنه كان صاحب مواقف جريئة بل واستفزازية، في ملف المفاوضات لترسيم الحدود مع الجارة السعودية، كما تمكن إبان حرب صيف 1994، التي أعيد فيها فرض الوحدة بالقوة بين الشمال والجنوب، من إقناع مجلس الأمن الدولي بعدم إصدار أية قرارات قوية من شأنها إيقاف المعارك التي كانت تدور بين قوات صالح وحزب التجمع اليمني للإصلاح وعلي ناصر من جهة، وقوات نائب الرئيس اليمني في ذلك الحين علي سالم البيض من جهة أخرى. وأصدر مجلس الأمن في حينها قرارين اكتفى فيهما بالتعبير عن قلقه بسبب المعارك الدائرة وبدعوة جميع الأطراف إلى وقف القتال، موفراً بذلك فرصة للفريق الذي يمثله لحسم المعركة على الأرض.

تولّى الإرياني رئاسة الوزراء للمرة الثانية في العام 1998 حتى 2001، بعد أن تولّاها لثلاث سنوات في بداية الثمانينيات، ليعتزل منذ 2001 العمل الحكومي متفرّغاً للنشاط الحزبي داخل حزب المؤتمر، كأمين عام ثم كنائب ثانٍ لرئيس الحزب، إضافة إلى النشاط العلمي والبحثي عبر مؤسسات بحثية تابعة له، نفّذ من خلالها ندوات رفيعة بالتنسيق مع جهات خارجية، من بينها معهد الرئيس الأميركي الأسبق جيمي كارتر، صديقه الحميم.

وعلى الرغم من كون الإرياني أحد أبرز وجوه حزب المؤتمر الشعبي العام منذ تأسيسه في أغسطس/ آب 1982، إلا أن علاقته مع الرئيس السابق علي عبد الله صالح، رئيس الحزب، أخذت في التدهور منذ منتصف العقد الماضي لأسباب غامضة. وقد وصف حملة إعلامية استهدفته في وسائل إعلام مقرّبة من صالح، قبل نحو عشر سنوات، بالقول إنها "مكافأة نهاية الخدمة". وبدت هذه العبارة وكأنها تلويحة وداع من رجل بلغ من العمر عتيّاً وقرّر اعتزال السياسة، ولكن الأيام حبِلت بخلاف ذلك، إذ عاد الرجل بقوة على هامش ثورة التغيير الشبابية 2011 حيث استخدم نفوذه داخل حزب المؤتمر للضغط على "صالح" وإقناعه بالتنحّي. وبعد تنحّي الأخير، تصاعد دور الإرياني الذي عُيّن مستشاراً لهادي ونائباً له في رئاسة مؤتمر الحوار الوطني (مارس/ آذار 2013 وحتى يناير/ كانون الثاني 2014)، ثم رئيساً للهيئة الوطنية للرقابة على تنفيذ مخرجات الحوار. وأثناء العام الأخير، ترأس الإرياني عدداً من لجان الوساطة والتفاوض مع جماعة الحوثيين، التي جلس للتفاوض معها لأول مرة، قبل سنوات، في العاصمة القطرية الدوحة، بعد الحرب الرابعة.

وبالمجمل، يشير تاريخ وحاضر الرجل بأنه يؤدي دوراً هاماً في اليمن اليوم، وأنه بانحيازه إلى صف هادي، قد أسهم في تشكيل ثنائي صعب أمام صالح، إلى حدّ أنه لم يعد ثمّة شيء في الفترة الأخيرة يثير غيظ صالح مثل الإرياني المشهور بقامته القصيرة. ويروى عن أحد الدبلوماسيين الخليجيين بأنه وصف الإرياني بالقول: "متر على الأرض، وسبعة أمتار تحتها".